الإسلام المفقود في تراثنا السياسي

عنب بلدي – العدد 146 – الأحد 7/12/2014

إسماعيل حيدر

يعاني كثير من المسلمين صدمة بعد سيطرة أخبار تنظيم الدولة الإسلامية على الساحة الإعلامية العربية والدولية. كثير من المسلمين يعتبرون التنظيم شكلًا مشوهًا للإسلام، كما أظهر استطلاع نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أواخر تشرين الثاني الفائت في عدة دول عربية وإسلامية، وقليل منهم طبعًا يعتبرون أن التنظيم هو تنظيم مسلم يتعرض للتشويه من قبل «الإعلام الخبيث» بسبب تجسيده للإسلام «الحق».

والواقع أن تنظيم الدولة وممارساته فتحت الباب على مصراعيه على نقد كان محرمًا، هو نقد الإسلام لذاته، بعد أن كان النقد يقتصر على بعض الممارسات مع التأكيد على أنها لا تمثل الإسلام.

الفرق هذه المرة أن صعود تنظيم الدولة ترافق مع فشل سياسي إسلامي عام، خاصة في الساحة السلفية والسلفية الجهادية، فالحركات الجهادية في سوريا ليس حالها أفضل من تنظيم الدولة، عدا عن تنظيم القاعدة الدولي وتطرفه المعروف، وحركة بوكو حرام التي تمتهن خطف النساء في نيجيريا وغيرها كثير للأسف.

هذا الفشل جعل من مناعة عموم المسلمين أقل تجاه نقد الإسلام، كما جعل الشكوك تساور الأنفس حيال الدعوى التي تقول بأن كل هؤلاء لا يمثلون الإسلام. يطرح المسلم على نفسه السؤال هذه المرة: من يمثل الإسلام إذن؟

إن أزمة تنظيم الدولة هي أزمة تيار الإسلام السياسي بشكل عام، حيث لم يقم أفراد هذا التيار بمراجعة حقيقية للتراث السياسي الإسلامي وتنقيته من شوائب التاريخ، بل وإعادة قراءته وفقًا لمقتضيات الواقع.

لقد اكتفى التيار الإسلامي بإعادة الصياغة اللغوية للتراث دون أن يمس جوهره بمراجعة عميقة مخافة انفضاض الجماهير من حوله نتيجة ابتزاز ومزاودات إخوة المنهج الدائمة.

الأحداث الجسام التي تعصف بجسد الأمة الآن تجعل من المُلِح أكثر من أي وقت مضى إعادة قراءة التراث مرة أخرى.

والمشكلة أن الشيعة يسيئون قراءة تاريخ الصحابة، في حين أن السنة يرفضون قراءة تاريخ الصحابة وهو ما أضاع علينا العبرة التاريخية، وأدخلنا في حلقات تاريخية تكرر نفسها بانتظام.

هناك ثلاثة أقوال لثلاثة مفكرين إسلاميين كبار تعتبر ملاحظات مفتاحية في فهم التراث السياسي الإسلامي.

الملاحظة الأولى لعبد الرحمن السنهوري، إذ يقول «الفكر السياسي الإسلامي لم يتجاوز مرحلة الطفولة»، والثاني لعالم الاجتماع مالك بن نبي «الحضارة الإسلامية في شقها السياسي هي حضارة منحرفة لم تنشأ عن مبادئ الإسلام، والمبادئ تكيفت مع السلطة الزمنية القاهرة»، أما القول الثالث فهو لشاعر الإسلام محمد إقبال «القيم السياسية الإسلامية بقيت أجنة».

ويجمل محمد إقبال القيم السياسية بخمسة، هي الشورى والمشاورة والعدل والأمانة والمال العام هو ملك للجميع.

يعاني التراث السياسي الإسلامي من فقر كمي ونوعي إذا ما قورن بما كتب في جوانب الفقه المختلفة، كما يلاحظ أن الفقهاء قد صبوا اهتمامهم في السياسة الشرعية أكثر من اهتمامهم في الشرعية السياسة.

لقد واجهت الأمة في حرب صفين (70 هـ) تهديدًا وجوديًا، حين قتل حوالي 70 ألفًا من الصحابة والتابعين، وهو ما جعل الفقهاء ينحّون قضية الشرعية السياسية جانبًا لصالح قيام سلطة فقط، مهما كان شكلها، وبهذا تحولت الخلافة إلى «ملك عضوض» حسب الحديث النبوي، وهو ما حول الدولة الإسلامية من خلافة على منهاج النبوة إلى امبراطورية.

والمعروف أن الامبراطوريات لا تحكم بمنطق المواطنة، وإنما بمنطق الشعوب الفاتحة والشعوب المغلوبة، كما لا تعترف الامبراطوريات بالجغرافيا، فحدود الامبراطورية حيث تنهزم جيوشها، وإدراك هذه الحقيقة ضروري لفهم التراث السياسي الإسلامي.

وقد بلغ التكيف مداه في القرون اللاحقة حتى وصل القول بإمام الحرمين الجويني في كتابه الإرشاد: «الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحل والعقد»، وفي كتابه «غياث الأمم في التياث الظلم»، يقول: «ما نعلمه قطعًا أن النسوة لا مدخل لهن في تخير الإمام وعقد الإمامة، وكذلك لا يناط هذا الأمر بالعبيد ولا العوام، ولا مدخل لأهل الذمة في نصب الأئمة».

وبعيدًا عن التفاصيل فإننا نستطيع أن نجمل جوانب القصور والضمور في التراث السياسي الإسلامي بالنقاط التالية:

  • فرط في الشرعية السياسية لصالح وحدة الأمة
  • رفض المساواة بين المسلمين في الحقوق السياسية
  • رفض المساواة بين المسلم وغير المسلم
  • أعطى للسلطة غير الشرعية حقوق السلطة الشرعية
  • منع الناس من تغيير المنكر السياسي الغليظ

بين القيم التي استنتجها محمد إقبال باستقرائه المباشر للقرآن الكريم، وبين القيم السياسية (المنحرفة) المبثوثة في كتب الفقهاء، سيبقى دائمًا السؤال عن الإسلام الحقيقي بلا إجابة حتى نعيد قراءة التراث بمقتضى الواقع لا أن نقرأ الواقع بمقتضى التراث.

 

تابعنا على تويتر


Top