بين ديكارت والمأثور الشعبي.. حين يصبح العقل ديكتاتورًا

236216bassam2508_2011_thaqafa1.jpg

حنين النقري

“العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس بالتساوي، إذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه الكفاية، حتى الذين لا يسهل عليهم أن يقنعوا بحظهم من شيء غيره، فليس من عادتهم الرغبة في الزيادة بما لديهم منه، هكذا يقول رينيه ديكارت، ولست أدري أيهما سبق الآخر في هذا المعنى، ديكارت أم المأثور الشعبي المفضي لذات النتيجة: أن الجميع راضون بحصتهم من العقل، بل ويزعم كلّ منّا أنه قد نال الحظ الأوفر والنصيب الأجلّ.

ولئن اعتقدنا أن الرضا في جميع الأمور خير؛ فيجدر بنا التريّث قليلًا هنا، إذ إن الرضا، بل والفخر كلّ بما يمتلكه من عقل، يفرز نتائج سلبية كثيرة نراها يوميًا، ومن أبرز تلك النتائج حالة “انت شو عرّفك” التي تصادف كلّ مخالف بيننا لسائد أو متوقّع، يعتقد “محاورنا” على الدوام أنه يمتلك من الحقيقة أضعاف ما لدينا، وبالتالي فهو يحاول جاهدًا -نتيجة لتفوّقه العقلي علينا- أن ينقل لنا هذه الحقيقة المتكاملة التي يمتلكها من باب الأمانة -وزكاة العلم نقله!-. في حين نحاول نحن -اقتناعًا منا بالكمال العقلي الذي نتمتع به بدورنا- أن نصدّه ونثبت خطأه، وهكذا يضيع الحوار ليغدو جدلًا محضًا لا جدوى منه بين شخصين كاملين في العقل.

ليت الأمر يقف هنا، إذ غالبًا ما تسبب هذه الثقة المطلقة كل بملكاته العقلية التي يملك متلازمة بغيضة، ظاهرها الحب وباطنها استلاب حق الآخر في الاختلاف، عن متلازمة “الشفقة” أتحدث.

تظهر هذه المتلازمة بشكل واضح عند الدعوة-التبشير بأي دين من قبل معتنقيه، المسلم لغير المسلمين؛ المسيحي لسواه؛ المتدين للادينين على العموم، وكل من يعتقد أنّه حصّل بطائفته ودينه طوق نجاة يحميهم ويقيهم يوم الفزع الأكبر ويجعله من سواد “الفئة الناجية”.

أخبرتني صديقة عن حجم الشفقة التي كانت في عيني القسّ إذ بشّرها بالنصرانية دين الحقّ، كم أشفق على وجهها النضر وقلبها المحبّ أن تأكله النار هناك في السماء بعد الموت، بعد أن يئس من النقاش أهداها إنجيلا علّ النور يعرف طريقه إلى قلبها وعقلها -الأقل إدراكًا من عقله.. يا للخسارة-

هذه الحالة تغدو أشدّ وأقسى من أي متدين مهما بلغت درجة علمه لأي لاديني على وجه الأرض، فالشفقة هي أبسط درجاتها وأكثرها رقيًّا، وغالبًا ما تتطور للاتهام بالعمالة أو الغباء ومجافاة الفطرة السليمة أو التهديد والوعيد، أو التجريد من الحظ الوحيد الذي يرضى به كل منا، “يا حرام ما عندن عقل يفكرو فيه”.

ولسنا هنا بصدد مناقشة المعتقدات الدينية فكريًا، أو تفنيد الحجج والبراهين في أكثرها صحة واتزانًا أو أشدها مغالاة وأسطورية، ولست أريد أن يشكك كل منا في عقله أو يقلل حالة الرضا التي تحدث عنها ديكارت وأجدادنا في المأثور الشعبي، بل هي محاولة للفصل بين رضانا الشخصي عن نصيبنا، والسماح لغيرنا بالرضا عما يملكون.

ما ينطبق على المعتقدات الدينية ينطبق على سواها من الآراء السياسية والحياتية، والخطورة هنا لا تكمن في استلاب حقّ الغير في المخالفة والتقليل من شأن رأيه فحسب، بل هي في اعتبارنا أن الحقيقة واحدة لا تتغير، ثابتة لا تتبدل، مطلقة غير نسبية.

ومن كان يؤمن بكل هذا كيف له أن ينتقد أفكاره أو أن يسمح لها بالتبدل والتجدد يومًا، عندما يصبح عقلنا ديكتاتورًا تجاه عقول الآخرين.

تابعنا على تويتر


Top