الهوية الممزقة.. مسلم، أم عربي أم سوري أم سني أم ماذا؟

محمد رشدي شربجي

يقول الكاتب أمين معلوف في كتابه «الهويات القاتلة» إن أكثر الكلمات شفافية هي أكثرها خيانة، وإحدى هذه الكلمات المضللة هي كلمة «هوية» تحديدًا.

لقد أنتجت الثورات العربية سؤال الهوية في المجتمعات المنتفضة، بل كثيرًا ما جرى الحديث عن إحياء متعمد لـ «الهويات» ما تحت وطنية مذهبية وعرقية وجهوية، على حساب «هوية» وطنية يفترض أن تملك على المواطنين عقولهم.

فنحن جميعًا نتعامل مع مفهوم الهوية على اعتباره ثابتًا منذ الأزل، بل ونسعى لقتل بعضنا بناء على هذه الاعتبارات «القاتلة» التي سرعان ما يظهر أنها من نسجنا نحن دون غيرنا، وهي سريعة التحول والتبدل وفقًا للظروف التي تحكمنا.

ولكي نزيد الفكرة إيضاحًا علينا أن نتخيل رجلًا من مدينة داريا ولد في زمن دولة الوحدة بين مصر وسوريا، فلو سألته في تلك الفترة عن انتمائه لأجابك على الفور دون تردد بأنه ناصري، ولو سألته بعد عشر سنوات لأجابك بأنه عربي، ولو أعدنا السؤال منذ عشر سنوات فسيقول بأنه مسلم، أما الآن فسيقول أنه سني من داريا، وربما لو دخلنا في التفاصيل لوجدنا أنه كان يقول في بداية الثورة أنه سوري أما الآن فهو سني.

ما الذي اختلف بالضبط عند هذا الرجل حتى تتحول «هويته» خلال نصف قرن كل هذه التحولات؟ لنا أن نتخيل أنه كان مستعدًا للقتال عن انتمائه العربي منذ نصف قرن أما الآن فهو يقاتل باستماتة بالغة عن انتمائه المذهبي.

هل اختفت هويته العربية؟ أم أنه توقف فجأة عن كونه عربيًا أو سوريًا أو مسلمًا إلخ إلخ؟

وبالعودة إلى ذات الرجل في المثال السابق، فنجده يعرّف نفسه كداراني في مقابل رجل من معضمية الشام، وإذا شهد شجارًا بين رجل من داريا ورجل من المعضمية فسيتدخل لا إراديًا لصالح ابن بلدته، أما إذا ذهب الرجلان إلى حلب فسيعرفان نفسيهما على أنهما من ريف دمشق، وإذا ذهبا إلى مصر فهما من سوريا، وإذا امتدت بهما الحال إلى الولايات المتحدة فسيكونان مواطنين عربيين من الشرق الأوسط، وعليه قس.

وأخيرا لنفترض أن هذا الرجل ذهب إلى الجامعة، وحصل هناك على منحة دراسة ماجستير في فرنسا، وفي اللحظة الأخيرة تم تعديل المنحة وتم إيفاده إلى مصر، هل من المتوقع أن تكون آراؤه هي ذاتها في حال ذهب إلى مصر أو فرنسا؟ هل ستكون «هويته» التي يقاتل فيقتل أو يقتل لأجلها هي ذاتها؟

ليست الأمور بهذه المبالغة والتضخيم بالتأكيد، لكن المثال آنف الذكر يعطي مثالًا على «هويات» متنقلة، مستعدين للقتل في سبيلها في مكان وللقتال ضدها في مكان آخر.

«الهوية» مفهوم شخصي ذاتي متحول، كل شخص فينا يحمل عدة هويات وانتماءات، وقد تأتي ظروف فتغلب هوية على أخرى، فأنا عربي أستطيع التواصل مع العرب البالغ تعدادهم 350 مليونًا، وكذلك أنا مسلم لدي مشتركات مع مليار ونصف المليار إنسان، كما أنني طالب في الجامعة الفلانية، ومنتسب للجماعة الفلانية، ومن مدينة كذا، ومقيم في مدينة أخرى. وهكذا أستطيع إضافة عشرات ومئات «الهويات» التي تؤكد أن كل إنسان له «هوية» خاصة به لا تتكرر، وأن الإنسان غير قابل للاستبدال.

وربما ستجد أن المشتركات بينك وبين شخص من «هوية» أخرى تحاربها الآن، هي أكبر بكثير مما هي بينك وبين رجل من نفس «هويتك» ولد قبل 500 عام.

سيتضح يومًا ما أن التصارع المجاني الحاصل في بلادنا على إثبات «هوياتنا» هو تصارع على الأوهام، وأن ما نظنه هوية مقدسة في يوم من الأيام وفي مكان من الأمكنة، هو محض افتراض ممزَق وممزِق في آن معًا.

تابعنا على تويتر


Top