العزو الثقافي .. نعمة أم نقمة

 عنب بلدي – العدد 149 – الأحد  28/12/2014 

بيلسان عمر

لنتذكر سوية بأن شكسبير كتب يومًا في هاملت بأنه «لا يوجد ما هو خير أو شر، إنما طريقة التفكير هي التي تصنع ذلك»، وبناء عليه دعونا نفترض بأن التغيرات في طريقة التفكير ينتج عنها تغيرات في المشاعر والسلوكيات، فكم مرة سمعنا عن أناس أصيبوا بالاكتئاب لمجرد توقعهم أن شيئًا ما سيئًا سوف يقع، أو لإيمانهم الكبير بعدم قدرتهم على إبعاد هذا القادم السيء عنهم، ليتولد لديهم ما يسمى بانخفاض مستوى الدافعية، وكذلك تراجع معدل النشاط الإيجابي لحل مشاكلهم والذي يساعدهم على الخروج من هذه الحالة السيئة التي أقحموا ذواتهم بها.

وهنا نقف أمام احتمالين لإرجاع تأثير الأحداث التي تعصف بالأشخاص، إما إلى الشخص ذاته ضمن ما يسمى العزو الداخلي (الميولي)، أو إلى الظروف الخارجية المحيطة به، فكثيرًا ما نعلّق تقصيرنا على مفهوم المؤامرة الخارجية التي تحاك ضدنا، سواء كنا أفرادًا أو حكومات ودول، فبذلك أنت تركز على الطرق التي توصلك إلى الإجابة عن السؤال (لماذا) كلما مر بك حدث ما.

ولنا أن نضرب مثالًا من واقعنا الذي بات يعج بالأمراض النفسية، فتخيل أن محكمة في سوريا قررت أن تحاكم مفتعلي وتجار الحرب، واجتمع (النظام والمعارضة) في قاعة المحكمة، وأثناء هذه المحاكمة يحاول وكيل النيابة أن يقنعك بأن أحد الطرفين متهم، والآخر بريء، وفي الوقت ذاته يحاول (الدفاع) أن يؤكد لك أن المتهم بريء، وأن رد فعله طبيعي لأنه كان يدافع عن بلاده من خطر الطرف الآخر، بعد أن تم تهديد وجوده وبقائه من قبل ذاك الطرف المتهم عينه، ففي حين يعزو الادعاء ما حصل إلى  الصفات الشخصية الذاتية للطرف الموكل عنه، فإن الدفاع يجد قوته في توضيح الظروف الخارجية التي دفعت موكله لفعل ما حصل، وكلاهما يلجأ إلى العزو الفكري بأحد شقيه لتبرير ذلك.

وهنا قد تستوقف القارئ أمثلة أبسط من هذا بكثير، فكم مرة سمعنا عن أشخاص ينسبون فشلهم في موقف ما إلى عوامل خارجية، كالعين والمسّ والشيطان والحظ والقدر، مكونين بذلك حاجًزا يقفون خلفه يقيهم من الوقوع في الاكتئاب أو الإحساس بالفشل.

والدور الذي تلعبه أنت في ثقافة العزو، يختلف فيما إذا كنت قائمًا بالسلوك المذكور، فعندها تعزو ما يحصل لأسباب خارجة عن إرادتك، أما إذا كنت مراقبًا خارجيًا فغالبًا ما تقف على المنصّة وتطلق الأحكام على فشل الآخرين نتيجة أسباب داخلية لديهم، ولربما أكبر مثال عن هذا النوع الثاني ما حصل مع كثير من المحايدين ومؤيدي النظام الأسدي، عندما باتوا يمطرون معارضي النظام بشتى التهم، من قبيل (كانوا عايشين ومو صاير شي عليهم، وظروفهم مقبولة، ولكن غباءهم وإصرارهم ع أخطائهم جلب لهم مشاكل بإرادتهم لا بإرادة النظام ذاته)، ولربما نسمع يومًا من باب بث الطرائف عن لقاء بين أحد الشهداء وقاتله، وسوف يقول حينها المقتول: أنت قتلتني، ولربما سيجيبه القاتل: أنت الذي قتل، وقد يكرران ذلك مرارًا، وكل واحد يعزو النتيجة للآخر، دونما أن يدخلا في تفاصيل ما حصل، أو أن يدرسا ما كان من الممكن اتباعه لاجتناب ما جرى.

والأكثر شيوعًا في عملية العزو، أننا نُرجع نجاحنا وتألقنا وذكاءنا إلى عوامل داخلية خاصة بنا، متحيزين للذات بشكل كبير، دونما أن نعطي أهمية للعوامل الخارجية، في حين نعزو نجاح الآخرين لعوامل خارجية من قبيل ظروفهم المواتية، ودعم الآخرين لهم، بينما فشل أولئك يكون لأسباب داخلية لديهم كتسرعهم وغبائهم، وما فشلنا في بعض المواقف إلا نتيجة عوامل خارجية لا قوة لنا عليها، أو ربما العين والحسد والحظ ومشكلاتنا الأسرية باعتقاد البعض.

وما بين عزو داخلي لنجاحنا وخارجي لفشلنا، والعكس لنجاح الآخرين وفشلهم، يبقى السؤال قائمًا، هل العزو الثقافي نعمة أم نقمة؟

تابعنا على تويتر


Top