صبرًا أماه.. فإن موعدنا الجنة – رسالة إلى الأم والجدّة لشهداء آل شهاب..

17.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 24 – الأحد – 15-7-2012

 

أم الشهيد..أمي..

أقف بخجلٍ أمامك، وأتمنى أن أقبّل كفّيك، وأن تمسحي بيديك الطاهرتين دموعي، علّك تمسحين قبح نُواحي، وضآلتي أمام عظيم صبرك، فقد فضحت دموعي بوارَ صلاحي أمام صنيع ولدك، إذ أعددتِه منذ فطامه بصدقٍ لهذه اللحظات.

أمي..

أرجوك أخبريني من أين جئتِ بهذا الصبر كله؟ أهي آيات الكتاب تنطقين بإعجازها اللماح؟ أم أن أبناءك وأحفادك الشهداء سقوك من نبعهم، فغدوت ترجمة لعذبٍ نضّاح؟ أم كان الصبر بذرةً زُرعت في قلبك وأعطت ثمارها في أرض ربي التي ستجد تحت أقدامك تقديسًا لك ولأمانتك التي تحملينها.

أمي..

أعرف أن مصابك جلل وتعجز الكلمات عن وصفه، فإذا بك تودعين سبعةً من أبنائك وأحفادك في يوم الجمعة المباركة هذي (6/7/2012م)، وإذا بالملائكة حافين حول عرش ربي، يتضرعون للمولى أن يلهمك صبرًا، ويهمون لفتح أبواب الجنة لاستقبال عائلتك، بعد أن سجلوهم مع الشهداء والصديقين والصالحين بإذن الباري..

أمي..

أذكر أنني سبق ورأيتك قبل اليوم، ليس هنا في عرس عائلتك، وهم يرتدون لباسًا أبيض ويُحملون على الأكف، بل هناك في مجرّةٍ دوارةٍ، كنتِ فيها منارة ترمين تخوم الليل بالإصباح، تزجين الضياء لحالك الأرواح، لمن غشيَتْهُ ظلمة الطغاة، علّك تطيرين فوقهم ملاكًا طاهرًا بغير جناح، بل وأظن أنك كنت أنت السحابة تلك التي تطوف فوق الساحات، فتروي ظمأ اليتامى بالأرواح، وقطيرات المطر التي تغسل ما علق في قلوبهم من هموم.

وأنا أعترف لك وبكل صدقٍ أنه لولا حروفي لكنت في عداد اليتامى، وصبرك وحده هو الذي حرّك حروفي هذي، فأبدعت كلماتٍ عساها تكون مسكًا يفوح طيبها.

أمي..

أعرف أن أبناء عصرنا همهم البيوت والقصور، وأحجار المرمر واللآلئ والمرجان، وحديث جارة تقص القصص عن إبنة جارتها المفتونة بشابٍ تراوده عن نفسه بعد أن شغفها حبًا، وهو يهيم بأخرى، متيّمٌ بها، مأسورٌ أمام سحر عينيها. أما أنت…. فآثرت الآخرة على عرض الدنيا الزائل، وعبقت بمسك دم عائلتك الذي أضفى على مجلسك قداسة، فلا يُذكر في حضرة دم الشهيد إلا ما هو مقدّس ومُكرّم.

أمي..

أنت تدركين بصبرك أن أبناءك وأحفادك لن يرجعوا ليسقوا عصارة أرواحنا لذّة النصر القادم، وليكبّروا في الحشود أن أتى أمر الله، بعد أن يدكّ جحفل الطاغية بخسائرَ كبيرةٍ، ولكنني مع ذلك أراك تجهزين لنصرنا من نسلنا نحن، وأرى أحمدَ سوف يخلف عمرو، وسيذهب معه خالد وسعيد وسامر وريم وهنادي وتهاني… فمهما اختلفت الأسامي فكلهم قد شربوا حلاوة إيمانهم بمبدأهم، وسيتذوقون طعم نعيم الفردوس.

فبوركت أمي..وبوركت عائلتك ونسلها..وسيزهر ياسمين وطني..وسينضج عنب بلدي الداراني..وسيرى النورَ بعد أن يرتوي من دماء الأبطال ومن عزيمتك وعزيمة الصابرين والصابرات.

تابعنا على تويتر


Top