كعب أخيل بين قوة الدكتاتورية وضعف المعارضة

13.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 24 – الأحد – 15-7-2012

 

    تظهر الأنظمة المستبدة أنها صاحبة القوة في بلادها فبيدها آلة الحرب، وتشرف على عناصر الأمن والشرطة والجيش وفروع المخابرات والسجون، وهي التي تقتل وتنفي وتعذّب وتدمّر، وكذا تشرف على مرتبات الموظفين العاملين لديها، فتستطيع متى شاءت أن تمتنع عن إعطائهم أجورهم ليموتوا جوعًا. وهذه الكوادر البشرية هي نقاط القوة لدى تلك الأنظمة، ومنهم لا لأجلهم تستمد مقوماتِ بقائها واستمرارها، في الوقت التي تظهر فيه المعارضة هشةً ضعيفةً، لا تمتلك مؤسساتٍ ولا هيئاتٍ تمثلها إلا ما ندر، وليس بيدها رقاب الناس. إذ أنها ليست سوى أشخاصٍ يعبّرون عن آرائهم بعد تسجيلهم لمواقفَ شخصيةٍ ضد النظام، وهم يستغلون الفرصَ للانتقام لكرامتهم التي أهدرها النظام، وليس بيدهم أدنى حيلةٍ، بل وأكثر من ذلك فإن معظمهم يجلس في الخارج يتلقى الدعم من قوى غربيةٍ لن تغنيه من جوع.

ويلتفت الناس باختلاف توجهاتهم السياسية إلى تسليط كل الأضواء على هفوات المعارضة وزلاتها، وإظهار نقاط ضعفها، رافعين شعاراتٍ مختلفةً، فمرة ينادون الجيش الحر لا يمثلني، وأخرى المجلس الوطني لا يمثلني، فهو بعيد عن تطلعاتي، وحينًا هيئة التنسيق لاتمثلني فهي تخون الشعب ولا ترنو إلى طموحاته، إذ أنها  بنظر البعض تضع يدها بيد النظام لتصل إلى أهدافها. وهؤلاء الناس ينسون وربما يتناسون نقاط ضعف الديكتاتوريين الذين يحكمون البلاد ويعيثون فيها فسادًا، كما ويقتّلون العباد وحتى الدواب، فبنظرهم لا يمكن لأحدٍ أن يمس من قداسة المستبِد، فيكفي أننا نأكل ونشرب وما تبقى لا يعنينا، فالمستبِد قوةٌ لا تُهزَم ويستطيع حتى أن يمنع عنا لقيمات عيشنا.

ولنا أن نتذكر سويةً قصة كعب أخيل، إذ تروي الأساطير الإغريقية قصة المحارب أخيل الذي لم يكن باستطاعة أحد أن يضربه أية ضربةٍ تؤثر به، ولا يمكن لأي سيفٍ أن يخترق جسده، ذلك أن أمه -كما تروي الأسطورة- قامت بوضعه في ماء نهر ستايكس السحري، وأمسكت به من كعب رجله فطال الماءُ السحري كاملَ جسده فاكتسب مناعةً تحميه من أية ضربة عدا كعبه الذي لم ينغمس في الماء. وعندما كبر أخيل ظهر أمام الجميع بمناعته ضد سلاح الأعداء، ولكن في حرب طروادة عرف أحد الأشخاص نقطة ضعف أخيل، فأخبر أحد جنود الأعداء بذلك، ليقوم ذاك الجندي بتوجيه الضربة القاضية على كعب أخيل، فترديه قتيلاً، ووليولد مع موته مثلٌ بات شائعًا بين الناس «كعب أخيل». وبهذا تحطمت أسطورة أن المستبد لا يُهزم، فلا بد من نقاط ضعفٍ يمتلكها تجعل بنيانه هشًا، يتداعى عليه، فيخر عليه السقف الذي بناه، وننجو نحن إن أفلحنا في كشف تلكم النقاط وتجنبها.

ونذكر من النقاط والأساليب التي تؤدي إلى ضعف المستبد، وجود فئة من العسكريين ورجال الأمن والشرطة الذين يطمحون إلى تحقيق مآربهم الخاصة، حتى وإن كانوا مع المستبد، ويظهر ذلك جلياً من خلال الانقلابات العسكرية في صفوفهم، أو رغبتهم بالانضمام إلى الحراك الشعبي من خلال الانشقاقات التي تطال تكتلاتهم، وتشكيلهم لهيئات تمثلهم، فتحمي المدنيين العزّل، وتعادي نظام المستبد.

ويسلك الموظفون طريقًا آخر من خلال التزامهم بفكرة الإضراب، سواءً الامتناع عن الذهاب إلى العمل  أو التوقف عن أداء مهامهم. فلنا أن نتخيل حجم الفوضى والتشويش التي سيعيشها نظام المستبد إن التزمت كلتا الفئتين بعدم الانصياع لأوامره ما استطاعت لذلك سبيلاً.

في الوقت الذي يظهر فيه وجود شرخٍ كبيرٍ بين المؤسسات، وعدم فعالية غالبيتها في ظل الظروف الحرجة التي تعصف بالبلاد، وبدا ذلك واضحًا بشكل كبير في المدارس والجامعات والمعاهد، إذ امتنع عدد كبير من الطلبة عن إكمال مشوارهم الدراسي تضامنًا مع رفاقهم المعتقلين والشهداء، وذلك حتى تحقيق المطالب، وتحسين أداء تلكم المؤسسات بما يواكب التطور التقني والعلمي الذي تشهده البلاد في العصور الحديثة.

وكذا تتجه فئةٌ من الناس إلى الامتناع عن دفع الضرائب وفواتير الكهرباء والمياه، فهي لا تريد أن تدفع ثمن رصاصةٍ تقتلها بها الأنظمة المستبدة.

كما ويلجأ الناس في مثل هذه الظروف إلى استخدام وسائل إعلاميةٍ جديدةٍ، كالمدونات، والشابكة الالكترونية، وصفحات ومواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)، والمناشير والجرائد والصحف التي باتت تصدرُ من وحي الثورة التي تعصف بالبلاد، أو عن طريق القنوات الإعلامية الحرة التي تنقل صوتهم، مستخدمين قلمهم وعدسة كاميراتهم لنقل الحقيقة والحدث، بعيدًا عن وسائل الإعلام الرسمية الكاذبة.

وتستطيع المعارضة أن تخلق أزمةً لدى نظام الحكم الديكتاتوري من خلال معرفتها نقاط ضعف هذا النظام (كعوب أخيل)، فتسلط الضوء على هذه النقاط، وتستثمر جهودها في توعية الناس بأهمية الانشقاقات، والإضراب الوظيفي، وإضراب طلاب المدارس والجامعات عن الدوام، والامتناع عن دفع الضرائب والفواتير، وابتكار وسائل إعلاميةٍ بديلة وجديدة توصل صوت الشعب إلى كل الشعوب علّهم وحكوماتهم يتخذون خطواتٍ تساند المظلوم، وكذلك التوصل إلى آليات عملٍ لحشد عدد كبير من الناس التي تنخرط في العمل الثوري، ولا تكتفي بمجرد الوقوف جانبًا وتخوين الآخرين، وتتبّعِ أخطائهم، فهؤلاء الأفراد الذين تجنّدهم السلطات المستبدة لخدمتها، والاستمرار بتحقيق مصالحها، يمكن أن يُستثمروا ليكونوا نقطة ضعفٍ لتلك الأنظمة، لا نقاط قوة لها، ودون أن نتجاهل أن هذه الأعمال ربما تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ لتنتزع من الأنظمة الدكتاتورية سلطتها ونفوذها، ولكنها تبقى أفضل من التوجه إلى نقاط القوة لدى تلك الأنظمة، والسعي لمحاربة تلك الأنظمة من خلال نقاط قوتها.

تابعنا على تويتر


Top