السلام.. في المولد والميلاد .. المرأة التي تهز المهد بيدها اليمنى ستهز العالم بيدها اليسرى

عنب بلدي – العدد 150 – 4/1/2015

شمس الهادي

احتفل العالم المسيحي منذ أيام بعيد ميلاد السيد المسيح، رغم الجدل الكبير الدائر حول صحة هذا التاريخ، وتلا ذلك الاحتفال برأس السنة الميلادية الجديدة وكذلك ذكرى المولد النبوي.

أتوقف هنا عند فكرة الميلاد بحد ذاتها: الميلاد: ولادة الإنسان، استمرار الحياة، الغاية من الولادة، الصعوبات التي تواجهها المرأة أثناء رحلة العبور في الحياة وإعادة إنتاج الحياة، وذلك من خلال مريم في السورة القرآنية.

مريم، فتاة صاحبة رؤية في الحياة، كانت وثيقة الصلة بالله ومعتكفة في ركنها الشرقي القصي تتعبد وتتأمل، فيأتيها الملك ببشارة «لأهب لك غلامًا زكيًا».. تفزع مريم من هذا الحمل بلا زوج، ولكن الملك يطمئنها بأنها إرادة الله الذي تفرغت لعبادته ولا بد من ذلك الأمر الإلهي وما يحمل في طياته من حكمة لا يدرك العقل البشري أغوارها إلا بعد حين.. «كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرًا مقضيًا»، إنك حملك يا مريم، آية من الله ودليل على أنه قادر على خلق المعجزات والمسببات بلا أسباب، وكل حمل هو معجزة من الله، فهو حياة تنبثق من قلب حياة، وخاصة حين تكون وسط ظروف صعبة، وكم من امرأة حملت مصابرة تحت القصف والجوع والحصار، أو مهجرة مشردة تكابد المرار، أو أنثى وحيدة لشهيد أو غريق أو شريد. أما مريم فقد كان عليها أن تواجه المجتمع حولها بحمل من غير أب، فالمجتمع لن يرحمها من سياط اتهاماته، وحتى يكتمل هذا الحمل كان عليها أن تتوارى عن الأنظار، «فحملته فانتبذت به مكانًا قصيًا»، ثم يأذن الله بالانتقال من معجزة الحمل إلى واقعة الولادة، الفتاة الطاهرة البريئة التي لم يمسسها رجل في حياتها، الوحيدة إلا من الله، تواجه آلاما لا طاقة لها بها، إنها آلام الخلاص، آلام المخاض، آلام ولادة نور وأمل جديد للبشرية. المخاض هو دومًا طريق نحو النور والسلام، ولكن تلك الآلام الطاحنة فاقت قدرة مريم على التحمل، كما تعيش كثير من نسائنا اليوم، فتقول وكأنها تعبر عن لسان حال كثير منا اليوم «يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا»، ولكن هل يترك الله عباده الصالحين نهبًا للآلام؟ «ما ودعك ربك وما قلى»، «فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا»، لا تحزني يا مريم.. هذا تحتك ماء يسري، يسري ليسري عنك، لا تحزني قالها الله للأم في أكثر من موضع في القرآن، قالها لأم موسى وقت أن خافت عليه «ولا تخافي ولا تحزني»، كما واجهت تلك الأمهات الظروف الصعبة وحيدات إلا من الله، تواجهك اليوم أيتها المرأة السورية في الوطن وفي بلاد اللجوء، قد تقسو عليك الحياة وتدير الأيام لك ظهرها، وقد تمضين في الطريق وحيدة، أنت وطفلك، مثل مريم، ويصبح المضي صعبًا ومريرًا، وتتمنين الموت كخلاص ولكن الله لن يتخلى عنك أنت وطفلك.

لا تحزني ناداها الملك، لملمي جراحك وامسحي دموعك، استجمعي قواك «وهزي إليك بجذع النخلة.. تساقط عليك رطبًا جنيًا.. فكلي واشربي وقري عيناً»، ابذلي ما تستطيعين من جهد، وهزي نخلتك واسعي.. اسعي كما سعت تلك المرأة الوحيدة هاجر وطفلها في الصحراء.. اسعي ليتفجر الماء، ولتولد الحياة وليتساقط عليك الخير الجني، من قمة يأسك سيولد نور، ومن الجفاف والقحط سيتفجر النبع.. من قمة يأسك سيولد الأمل، كل الخير سيسعى إليك بعد أن سعيت أنت إليه بيدك المتعبة، وبيدك تلك ستأكلين وتشربين وستقرين عينًا، تلك العين التي بكت طويلًا وروت التراب بدموعها.. أثمرت دموعها أملًا وعطاءً، والآن وبعد أن رزقك الله بالذرية (الولد) وأكرمك بالإنجاب، طفلك هو الذي سيمسك بالمشعل في هذا الظلام، استجمعي قوتك لتواجهي البشر..لا تخافي «فإما ترين من البشر أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صومًا». سأصوم.. نعم سأصوم عن كل مالا يرضي ربي، سأصوم عن كل ما يعكر صفو إيماني، سأصوم عما يكدر طهارة قلبي، سأصوم عن كل مالا يرتقي بإنساني، فابنك هو عبد الله الذي أوصاه وأوصاك بالصلاة، فاجعليها الصلة الني لا تنقطع بينك وبين الله، وأوصاه وأوصاك بالزكاة لتزكوا أنفسكم، وتزكوا دوافعكم، وتزكوا أرواحكم وأموالكم، لتعلمي أن كل ما آتانا الله إياه هو هبة من عند الله، وتزكيته وتطهيره بالمنح والعطاء وليس بالمنع والإخفاء. اشكري نعم ربك المادية والمعنوية بالإنفاق منها، ولتكوني أنت ومولودك رحمة للعالمين.. سلامًا في ميلاده، وسلامًا في حياته وبعد وفاته.

مريم.. يختار الله اسمها لتسمى السورة به، وليس باسم أي من الأنبياء الذين ذكروا في السورة ولا حتى ابنها المسيح عليه السلام، لأنها تريد أن تذكر كل امراة بأن دورها هي ودورك أنت أيتها الأم هو الدور الأهم في بناء الإنسان روحًا وجسمًا، ولتذكرك بالغاية من الإنجاب ليتجاوز معنى التكاثر الغريزي الخالي من التعقل والغاية، إلى غاية تحدد سلوك الإنسان في الحياة وتوجهه في كل خطواته وتتوج رغباته الطبيعية بثمرة لحب يجمعه بشريك حياته، واستمرارًا لوجوده في الحياة وخوفه من فكرة الفناء المطلق، رغبة في استمرار الذكر واستمرار الرسالة وتولي مسؤولية الخلافة الصالحة في الأرض. كوني أنت أيتها الأم، أنت الولادة للخير والنبل والطهر. مهما أظلمت الدروب، وبدا الاستمرار مستحيلًا، بإيمانك وصبرك وإصرارك تحيين أنت وأبناءك حاملي رسالة ارتقاء بواقع لن يكون إلا صعبًا ومليئًا بالتحديات، وبيدك وسعيك يغدو لكل التعب معنى، لأنك تمضين نحو هدف أسمى وحياة أجمل في عالم أكثر رقيًا وديمومة. امسحي دموعك يا مريم وضعي مولودك في مهده.. تلك المرأة التي تهز المهد بيدها اليمنى ستهز العالم بيدها اليسرى.

تابعنا على تويتر


Top