نحو ثورة اجتماعية شاملة

في بيتنا شبيح !!

22.png

حنين النقري – دوما

صيفٌ، نهارٌ طويلٌ، رمضان، أمٌ وأبٌ مشغولان، أطفالٌ، وتلفاز… هذه المدخلات ستسفر غالبًا عن مُخرجاتٍ ذات سمةٍ عامّة لدى الجميع:

أمٌّ تفضي وقتها في المطبخ، أبٌ يعمل في مكانٍ ما، وأطفالٌ يتسمّرون أمام التلفاز. ستكون الأم مسرورةً ﻷنها تخلّصت أخيرًا من ضوضائهم… وربما ستدعو بالرحمة لتحفّ روحَ من اخترع هذا الصندوق ذا الأثر المدهش، ثم مشهد الختام، عائلةٌ تجتمع بشغفٍ أمام التلفاز بعد الإفطار من جديد…

لا أريد أن أخوض في النواحي الدينية والشرعية، وليس محور كلامي عن رمضان، تلك الفرصة الذهبية النادرة لإعادة هيكلة حياتنا وإصلاح زواياها، فالموضوع بات مطروحًا بشكلٍ كبير..

الضوء المتاح لي في هذه المساحة، أريد تسليطه على ثنائية «الأطفال والتلفاز» التي تبرز بشكلٍ خاصٍ في رمضان وتستمر طيلة أيام العام..

كلامي هنا عن التلفاز بشكلٍ عامٍ، لا أخص به قنوات الدراما والأفلام، ولا استثني منه قنوات أغاني الأطفال أو الكارتون… وأثر ذلك في عقول، نفسيات، أجساد أطفالنا..

سأعتمد على  دراسةٍ طويلةٍ نشرتها مجلة العربي الكويتية بعنوان «هل يجعل التلفاز أطفالَنا بلهاء» وهي موجودة على مواقع الانترنت (ننصح بقراءتها كاملة)..

* لعلّكِ ناديتِ طفلكِ أكثرَ من مرةٍ أثناء متابعته لفيلم كرتون ما، فلم يستجب. متأ
كدةٌ أنكِ -عزيزتي الأم- غضبتِ منه، وظننتِ أنه لا يريد أن يجيبك عمدًا ويصطنع عدم السمع. ماذا لو أخبرتكِ أن طفلك فعلًا لم يسمعك؟؟!! تشير الدراسات بعد الكثير من التجارب التي أجريت على اختباراتٍ للسمع، الإدراك، والإحساس بالألم وبالسخونة، إلى أن «الرسم الدماغي للأطفال أثناء مشاهدتهم التلفاز، يكون في حالةٍ قريبة جداً من نظم ألفا وقوته (10 – 13) هرتز، وهذا التواتر يكون في الدماغ الساكن (!)، حيث الانتباه في حدوده الدنيا، والعملية الإدراكية في حالة سبات، وينقطع الإحساس بالعالم الخارجي»!!

* أكثر من هذا، يشكّ العلماء أن الأضواء الباهرة والإشعاعات المنبعثة من التلفزيون، وفي ظل سكون الطفل وارتخائه، تدفعان الدماغ – بعد تشويشه وخداعه – إلى اتخاذ وضعية النوم! وهو شكٌّ معتمِد على دراسات وإحصائيات دقيقة تشير إلى أن «هرمون النمو الذي يَنشُط بفعالية أثناء النوم، يزداد إفرازه لدى الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون بشكل مكثف، وبالتالي، يصلون مرحلة البلوغ المبكر أسرع من الأطفال الأقل مشاهدة للتلفزيون. وعندما حُرِم هؤلاء الأطفال من مشاهدة التلفزيون لمدة أسبوع واحد فقط، شهد العلماء زيادةً في مستويات هرمون الميلاتونين الذي يمنع البلوغ المبكر بحوالي 30%. وهذا ما يجعلنا نزعم أن عملية تشويش الدماغ وخداعه أثناء مشاهدة التلفزيون، تدفعه لاتخاذ وضعية قريبة جدًا من النوم وما يتبعها من إفراز هرمونات تنشط أثناء النوم، منها على سبيل المثال هرمون الأندروفين المسؤول عن إضعاف الإحساس بالألم وتثبيطه.»!

* ولايزال هناك المزيد، فبالإضافة لما ذكرنا، هناك التأثير المباشر على التحصيل الدراسي. ليس المقصود هنا الوقت الضائع الواجب استثماره والذي يفوّت على الأطفال فرصة التعلّم، بل مقدراتٍ معرفيةٍ حقيقية تخبو وتتضاءل عقب متابعة الأطفال للتلفاز، وتدلل على ذلك تجارب كثيرة – مذهلة بنتائجها – لا يتسع المجال لذكرها.

الأمانة التي وضعها الله في أعناقنا في خطر…أطفالنا؛ عقولهم، أجسادهم، هرموناتهم، إدراكهم، تحصيلهم العلمي… كل هذا ولم نتكلم عن الأثر الأخلاقي، العنف اللفظي والجسدي، التفكك الأسري والاجتماعي، البدانة والابتعاد عن النشاطات الحركية…. ولم نتكلّم بعدُ عن الغزو الفكري من قِبل ثقافاتٍ لا ننتمي إليها، الرطانة اللغوية، السهر لساعاتٍ متأخرة والاستيقاظ في وقت متأخر، انحسار الدور التربوي للوالدين بشكل كبير وتقلّصه ليحل التلفزيون محلهما معلّمًا وأنيسًا، ملاعبًا ووسيلةً فعّالةً لتهدئة رضيعٍ يبكي أيضا!!

كل ذلك وأكثر يجري مع هذا الصندوق – أو الشاشة المسطحة الجذابة – التي تحتل من بيوتنا مكان الصدارة على الدوام…

فهل آن الأوان لنثور على ذلك، ونقرع ناقوس الخطر الأسري؟

هل ستجعلنا هذه النتائج الصادمة نطفئ جهاز التلفاز ولو قليلًا، لنفكّر برويةٍ في دورنا التربوي الضائع تجاه أطفالنا المساكين المصابين بـِ «بله التلفاز»!؟ أم سنلقي الجريدة جانبًا لنكمل تنقّلنا بين القنوات الفضائية غير آبهين بما كان وما سيكون؟

الخيارات جميعها متاحة، والقرار وتبعاته؛ بيدك أنت!

كل عام وأنتم بخير..

تابعنا على تويتر


Top