لماذا فقد الفايسبوك قدرته على التأثير؟!

21.png

جريدة عنب بلدي – العدد 25 -الأحد – 22-7-2012

–   عتيق – حُمص

مع انطلاق ثورة الحرية والكرامة في آذار الماضي، كان أكثر ما تحتاج الثورة إليه هو المنبر الإعلامي القادر على إيصال صوت الثوار ونشاطهم، ونقل صورة قمع النظام وأجهزته الأمنية للحراك الشعبي؛ في ظل  افتقار البلاد لوسائل إعلامٍ خاصّةٍ وحرّةٍ، وتواضع استخدام شبكة الإنترنت بين السوريين كأداة إعلامية.

وتتابعت الأيام وأثبتت الثورة قدرتها على امتلاك منابرها الخاصة، وإعلامها الثوري، ولا سيما عبر موقع التواصل الاجتماعي الشهير الفايسبوك، الذي تحوّل إلى أداةٍ إعلامية، ووسيلةٍ للحشد الشعبي والتغيير الاجتماعي.

ولكن يبدو أن هذه الحالة لم  تبقَ على حالها، فهناك شعورٌ متزايدٌ اليوم، بأن الفايسبوك قد فقد جوهره كأداة قادرة على تحقيق التغيير الاجتماعي، ويعود ذلك لعدّة أسباب، لعل أهمها: تحول الشبكة إلى أداة لممارسة سلطة المجموع!! فتجاه أية قضية من قضايا الثورة، هنالك رأي ‹رسمي› لمجموع الثوار، بات الخروج عنه، يشكّل تهمةً وعارًا.

فما إن تنشر رأيك المخالف للسائد، حتى تواجَه بسيلٍ من عشرات وعشرات المنشورات والروابط والتعليقات، التي تشكّل ضغطا كبيرًا عليك، كي تغيّر وجهة نظرك و›تساير› الاتجاه السائد.

وهذا الأمر يحصل مع العديد من الأشخاص الذين باتوا يشعرون مراقبة «الأخ الكبير» على كل ما يكتبونه، وأنهم لم يعودوا يتمتعون بحريتهم السابقة في نشر كل ما يريدون، بل إن البعض بات يعمل – دون أن يشعر- وفق مبدأ: ما يطلبه الجمهور، وهذه مشكلة عميقة جدًا، وخطيرة جدًا.

وباختصار، فقد الفايسبوك جزءًا كبيرًا من ميزته بإتاحة حرية الكلمة والتفكير لأعضائه، تحت سلطان المجموع الممارس على الجميع.

مشكلة ثانية، هي تلاشي صوتك في زحمة المنشورات والصفحات والحسابات التي تشكّل الرأي السائد، وهذا يقلل كثيرًا من جدوى استخدام الشبكة لإيصال صوت متفرّد ومختلف.

بشكل افتراضي، فإن الفايسبوك يدفع بالمحتوى الأكثر تفاعلًا (عشاء صديقك في مطعم ما)، على المحتوى المهم (منشور يناقش هذه الفكرة مثلا).

المشكلة الثالثة هي في التشتت الكبير الذي يخلقه الفايسبوك في عقول مستخدميه، فهناك في صفحته العامة المنشورات (الفكرية، الثقافية، السياسية، الضحك، البكاء، الحزن، الفرح ..)، ولا يفصل بين المنشور والآخر، سوى سطر واحد، مما يشتت تركيز القارئ، ويُدخله في حالاتٍ مختلطةٍ بشكلٍ متتابع، إضافة إلى مقاطع الفيديو، الصور، الدردشة مع الأصدقاء، اﻷلعاب، والتطبيقات، والتنبيهات، الكل يتنافس على تركيزك المشتت، الذي برمج كي لا يتحمل قراءة أكثر من أربع أو خمسة أسطر، هذا النفس القصير في القراءة (ومسايرة الكتاب والنشطاء له) يعتبر الطامة الكبرى في الفايسبوك.

مشكلةٌ أخرى، هي في الشعور الوهمي الذي يخلقه الفايسبوك لدى مستخدميه في المجالات السياسية والاجتماعية، أنهم يقدمون شيئًا حقيقيًا، فلكي تدعم موقفًا ما أو قضيةً ما، يكفي أن تسجل إعجابك بمنشورأو صفحة ما. وستكون مناضلًا من الطراز الرفيع إذا ما قمت بمشاركة ذلك مع أصدقائك، والكتابة عنه باستمرار.

الفايسبوك يخلق منك ناشطًا بسهولة، فقط قم بقضاء وقت كافٍ باستخدامه. هذا الشعور المزيف بالنشاط، والوهمي بالفعالية يعوق فعلًا عن تحقيق مكاسب فعلية. الفرق يتجلى مثلًا بين عدد مشتركي صفحة تنسيقيةٍ ما، وبين من يشارك فعلًا بالتظاهر والأعمال الثورية الأخرى (2% في كثيرٍ من الحالات).

هذه المشاكل مجتمعةً، وغيرها، أفقدت الفايسبوك قدرته على التأثير الاجتماعي، وليس الكلام حصرًا على هذه الشبكة الاجتماعية، لكنها أفضل مثال.

يبدو أن الفتور في استخدام المدونات الذي رافق بداية الثورة، سيشهد انعكاسًا في الفترة السابقة، وسيفضل كثيرون العودة إلى مدوناتهم للتعبير بحريةٍ وتركيزٍ أكبر، عن رأيهم الخاص، بمعزلٍ عن تأثيرات سلطة الجماهير، كما ستشهد الوسائل المطبوعة كالصحف والمجلات انتشارًا أكبر مما كان عليه الوضع قبيل الثورة.

تابعنا على تويتر


Top