السوريون ضحية رعب الطغاة

عنب بلدي – العدد 150 – 4/1/2015

فيكتوريوس بيان شمس

اتّخذت السلطات اللبنانية قبل نهاية العام 2014 قرارًا بمنع دخول السوريين، باستثناء من تتوفّر فيهم مجموعة من الشروط التعجيزية بالنسبة للغالبية العُظمى من بسطاء الشعب السوري، الذي يتعرّض منذ قرابة الأربع سنوات لمجزرة متواصلة لم تتوقّف، بمشاركة فاعلة من بعض التنظيمات الطائفية اللبنانية، وبإيعاز إيراني لغايات هيمنية، أُعلن عنها علانية غير مرّة، بأن إيران «تسيطر على أربع عواصم عربية» دفعة واحدة.

والسلطة اللبنانية، بافتراض حسن النية، باستبعاد تأثير القوى الطائفية المتحالفة مع النظام السوري عن قراراتها، لم تراعِ من حيث المبدأ في قرارها الأخير، العلاقات التاريخية بين البلدين. تلك السلطة التي تتكوّن من قوى طائفية متراكبة، يهيمن بعضها بقوة السلاح على بعض، وينظر بعضها الآخر بعنصرية للشعب السوري، فيما تنتظر هذه الجهات العنصرية ذاتها، تعافي النظام السوري، لأنّه في الحقيقة أحد رعاتها بالوساطة، وضامن وصولها لموقع السيطرة في جسم سياسي مريض، لا يشبه في علله، إلا رعاته بعد دخولهم مرحلة الأفول.

لم يوفّر بعض الساسة اللبنانيين العنصريين فرصة، ولا لقاء، أو مؤتمرًا، أو إطلالة إعلامية، إلا وعبّروا من خلاله عن خوفهم وقلقهم البيولوجي من الخلل الديموغرافي الذي قد يحدثه ازدياد توافد السوريين إلى لبنان، وهو ما يشبه تمامًا، ما حدث للشعب الفلسطيني في نكباته المتلاحقة، والتي يتشارك في آخرها الشقاء ذاته مع الشعب السوري، مع فارق في المرحلة، أن ما فعله اليمين المسيحي سابقًا، يفعله بشكل رئيسي، اليمين الإسلامي حاليًا.

إلا أن ما فعله لبنان، لم يكن من خارج السياق العربي المرعوب من مسألة التغيير، فقد سبق القرار اللبناني، عدّة دول من التي لم يكن السوري يحتاج لتأشيرة دخول لأراضيها، اتّخذت أنظمتها قرارات مشابهة. ابتدأت مسألة التضييق من مصر، إذ قرّرت السلطات المصرية اتّخاذ قرار لا يختلف كثيرًا من حيث الجوهر عمّا اتّخذته الدول العربية الأخرى، إذ تقرّر في أوائل تموز من العام 2013 اشتراط حصول السوري على تأشيرة دخول، أو «موافقة أمنية»، ما لم يكن لديه إقامة دائمة في مصر.

حذت الجزائر حذو الآخرين في أوائل كانون الأول 2013، عندما اشترطت على السوري الراغب بدخول أراضيها، حيازة مبلغ (4000 يورو)، إضافة لشهادة إقامة، أو وثيقة استقبال المعني من طرف مواطن جزائري، وهو ما يشبه نظام «الكفالة» الذي تعتمده دول الخليج، والذي سيصبح معمولًا به في أغلب الدول العربية فيما بعد.

بعد الجزائر، دخل الأردنيون على الخط، فاتّخذوا ابتداءً من أواخر أيار 2014 قرارًا مماثلًا يمنع السوريين من دخول المملكة ما عدا الذين يحملون إقامة في الأردن، أو إقامة في: أمريكا، أوروبا، دول الخليج، بالإضافة إلى ركّاب الترانزيت الذين يحملون تذاكر سفر مؤكّدة الحجز لما وراء الأردن. والحقيقة، أن الأردنيين كما اللبنانيين، كانوا حتى قبل اتّخاذ هذه القرارات، يتعاملون مع دخول السوريين وخروجهم بارتياب شديد، وبمزاجية عالية، فمن لا يدخل في المرّة الأولى، قد ينجح في المحاولة الثانية، أو الثالثة، أو بدفع الرشوة.

يشار هنا، إلى أن حجج بعض هذه الأنظمة بشح الموارد، ومزاحمة السوريين في أسواق العمل لمواطنيهم غير صحيحة، فالمساعدات التي يتلقّونها من الدول المانحة تستطيع تغطية جزء كبير من نفقات اللاجئين.

لم يبقَ أمام الهاربين من جحيم الموت سوى تركيا التي اعتبرتهم ضيوفًا، وهي التي تستضيف أكثر من مليون و 600 ألف لاجئ، يجري الحديث الآن عن مفاوضات بين الاتّحاد الأوروبي والحكومة التركية عن مسألة دمجهم وتوطينهم.

وبالنظر للخريطة السورية وجوارها، وبعد الأخذ بعين الاعتبار كل القرارات التي اتّخذت في دول الجوار الشقيق، يمكن الاستنتاج ببساطة، أن التضييق على السوريين في حركة تنقّلاتهم، لم يكن إلا قرارًا سياسيًا، وسواء كان عن حسن نية، أو سوء نية، لكنه لا يعني إلا شيئًا واحدًا: ممنوعون من دخول أراضينا المجاورة لأراضيكم، تستطيعون مغادرة أراضينا للعودة لبلدكم لتواجهوا مصيركم المحتوم، أو تغادروها إلى تركيا.

إذا صح ذلك، كيف تُقرأ المسألة؟ ومن المستفيد منها؟.

بلادٌ تُفرغ من سكّانها قتلًا وتهجيرًا، وأنظمة مجاورة تضيّق على من استطاع الفرار، ودول أوروبية بعيدة تستقبل الآلاف من اللاجئين الذين يصلونها بطرق شتّى. هكذا يصبح افتراض استفادة النظام السوري من تهجير أكبر قدر ممكن من السكان، وربّما تغيير ديموغرافية البلاد كخطوة على طريق تقسيمها، وإحلال عناصر سكانية غريبة، كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، يصبح هذا الافتراض صحيحًا. وهو افتراض يؤكّد من جهة أخرى، أن ما يحدث يخدم «إسرائيل»، ويبعد شبح الخوف عن أنظمة مرعوبة بطبيعة الحال من تكرار السيناريو السوري على أراضيها.

ليس هذا فقط، فإفراغ المنطقة من سكّانها يحقّق مسألتين إضافيتين أساسيتين، الأولى: إفراغ الثورة من معانيها بتشريد أهلها، وبالتالي تحويلها إلى حرب فصائل، كما هو حاصل الآن، وهو ما يُسهّل على كل القوى الفاعلة في الأزمة السورية تحقيق مآربها بسهولة. والثانية: مرحلة جديدة، تضيع فيها مرحلة سابقة، كان الشعب السوري فيها يعيش على أمل استعادة أراضيه المحتلّة، والتي من أجلها تحمّل أكثر من أربعة عقود من بيع الوهم، والقهر والاستعباد.

لعل المرحلة مربكة بطبيعة الحال، بخلاصتها، يحتاج الشعب السوري لإعادة قراءة التاريخ، فمن ذا الذي يستطيع بعد اليوم الحديث عن أنطاكيا ولواء اسكندرون؟ لا بل، لو أعاد التاريخ نفسه اليوم، لكانت نتائج استفتاء العام 1939 بـ «سلخ» اللواء صادقة، لا يجرؤ أحد على التشكيك أو الاشتباه بها. فأن يعاملك الأتراك المحتلّون، والذين يعتبرون جزءًا من النظام الرسمي في الإقليم، وربّما ينتظرون حصّتهم من الكعكة السورية، أن يعاملك هؤلاء في أشد لحظات ضعفك كمواطن أصيل معزّز مكرّم، فيما يعاملك نظامك «الوطني» كقوة احتلال عاتية لا مثيل لها في تاريخ البلاد، مسألة تحتاج للتأمّل.

تابعنا على تويتر


Top