الجامعات السورية .. منارات علمٍ أم مراكز تشبيح؟

Untitled-14.jpg

حنين النقري

تعتبر الجامعات من أهم معايير تطور وتقدم الدول، ويكفي أن تزور جامعات دولة ما لتحدد مدى اهتمام حكومتها بالشعب والتعليم ومستوى هذه الدولة في مصاف الدول المتقدمة أو المتخلفة.

غير بعيدٍ عن هذا المعيار تبدو الجامعات السورية اليوم شبيهة جدًا بواقع البلاد، وغدا من الواضح أن تأثير الحرب القائمة على الجبهات العسكرية قد طال الجانب العلمي في سوريا، كما طال كل زاوية أخرى.

إذا قصدت أي جامعة سورية، سيحتفي بك على بابها عددٌ كبير من العناصر، ما يشعرك أنك تتجه إلى ثكنة عسكرية؛ بعد التفتيش والتفييش تدخل الجامعة.

الملاحظة الأولى، نوعية الطلاب مختلفة عما كانت عليه قبل أعوام ثلاثة؛ الشباب «العاديون» في تناقص مستمر يتناسب طردًا مع تزايد عدد «الطلاب الشبيحة» الذين ستواجههم حتمًا على نوافذ التسجيل والامتحانات وسواها، يبرزون هوياتهم الأمنية لتجاوز الطوابير وتسهيل المعاملات الخاصة بهم.

تلك التسهيلات التي تبلغ أوجها في أقسام شديدة الحساسية كقسم «الامتحانات»، ففي حين يصطف الطلاب بأعداد كبيرة أمام باب مغلق (غير مسموح دخول الطلاب) ينتظرون خروج أي موظف من داخل القسم ليستجدوه موعدًا لخلاصهم؛ يأتي طالبٌ يوحي شكله واسمه ولهجته بالامتيازات التي يتمتع بها.. يفتح الباب، يكلم رئيسة القسم بفوقية، وهي التي أشبعت الطلاب صراخًا وتأجيلًا، يستفسر منها عن كشف علاماتٍ طلبه بالأمس ويريده اليوم، تعتذر منه لانتظاره وتعطيه إياه فورًا متجاهلةً عشرات العيون الناظرة إليها بحقد من طلاب ينتظرون كشوف علاماتهم منذ شهرين.

وتتجاوز الامتيازات التعجيل في المعاملات لتشمل التساهل من قبل أساتذة المقررات والمعاملة الخاصة لطلاب «الفئة الخاصة» المتزايدين بتقلّص أعداد الطلبة الطبيعيين نتيجة السفر أو الاعتقال؛ فأسئلة الامتحانات تشق طريقها إليهم بسهولة، والنجاح مؤمّنةٌ سبله إن تعسّر الحظ في الإجابة، والتجاوزات القانونية مسموحة لهم دون سواهم، كما ستكون أحد نتائج ذلك كله تنافس الفتيات على مصاحبتهنّ طمعًا في قليل من نفع.

في حين يزداد التعقيد والتهميش للطالب «الطبيعي» المشرف على الانقراض، فأخطاء الموظفين معه تعني معاقبته هو لا هم، كما حدث مع محمد، طالب في السنة الخامسة كلية هندسة الكهرباء، الذي وجد نفسه فجأة مطرودًا من كليته محرومًا من سنة تخرجه ومن نتائج سنة كاملة سابقة لخطأ موظف التسجيل منذ عام كامل.

بعد كل هذا سيكون من الطبيعي أن تكون المشاهدات في الجامعات السورية غير «طبيعية»، كأشكال الطلاب وممارساتهم واهتماماتهم وكلماتهم البذيئة بصوت مرتفع؛ الإشارات الطائفية لفظًا وشكلًا ومظهرًا، اتسام بعض الطلاب بمظهر الشبيحة الفعلي كاللحى الطويلة السوداء والملابس الأقرب للعسكرية وشيوع اللهجة الساحلية بشكل واضح بين أبناء جامعة دمشق.

من الطبيعي أيضًا أن يكون حفل التخرج أشبه بحفل في «كازينو»، بحضور ست شخصيات وزارية مهمة في الدولة، مع أضواء خافتة وأغانٍ شعبية للغاية بكلمات هابطة، وإيقاع قوي تسمع صوته من خارج الجامعة.

من الطبيعي أيضًا أن يجري تكريم والدة شبيح «شهيد» في حفل التخرج إياه لتسهب خلال ساعة كاملة في الحديث عنه وعن نضاله ضد «الضلاليين والخونة» في الجامعة، ليقتل على يد أحدهم لاحقًا.

فهل لا زالت جامعاتنا السورية منارات يقصدها الطلاب للعلم والتحصيل الأكاديمي، أم أنها غدت مراكز تشبيح ينأون بأنفسهم عن خطر الاعتقال بها؟

تابعنا على تويتر


Top