عن الثلاثة الذين خُلِّفوا… ثلاثة ورابعهم

gal.syria_.children.jpg_-1_-1.jpg

شمس الهادي

إنهم ثلاثة رجال.. يحكي لنا الله ومضة من حكايتهم في كتابه «وعلى الثلاثة الذين خلفوا.. حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا».

إنهم ثلاثة من صحب رسول الله (ص) وسلم تخلفوا عن اللحاق به في غزوته لأسباب متعددة، ولكن أجرأهم وأقواهم، حكى لنا تفاصيل الحكاية من البداية حتى النهاية، بمنتهى الشفافية والشجاعة، حكاية مازالت إلى يومنا هذا تهز القلوب وتدمع العيون.

اليوم أحدثكم عن ثلاثة صحب من نوع مختلف: إنهم ثلاثة أطفال خُلفوا، خلفتهم الدنيا بحروبها وظلمها وتمزقها، خلفتهم الحضارة الإنسانية العظيمة في القرن الحادي والعشرين، خلفتهم منظمات حقوق الإنسان ولكن في العري والتهتك والشذوذ الجنسي، خلفهم النظام المجرم بعد أن دمر بيوتهم وقتل أهلهم وأحال مدنهم أثرًا بعد عين، خلفتهم مؤسسات المعارضة العتيدة التي تصرف الملايين على تغيير أسماء بلا معنى وعلى مؤتمرات لكلام بلا ثمرة.. خلفهم الجميع معلقين، ولكن ليس بين الأرض والسماء، ليس على حافة الهاوية، بل على حافة الحاوية، حاوية المهملات المستطيلة الكبيرة على زاوية منزلي. وجدتهم معلقين على حافتها وقد رفعوا الغطاء وتدلوا إلى داخلها ليجمعوا قطع البلاستيك، ويضعوها في كيس كبير معلق على عربة بعجلات. إنهم ثلاثة صحب: ولكنهم ليسوا «ثلاثة ورابعهم كلبهم»، بل ثلاثة ورابعهم كيسهم. سلمت عليهم وحييتهم فاستداروا نحوي بوجوه صغيرة جميلة مستديرة، تشع منها براءة الطفولة رغم القهر والكدر.

أحمد ومحمد ويوسف، خلفتهم الحياة بلا معيل.. آباء مرضى مقعدون عن العمل، مريض بالقلب ومريض بالسكري مبتور الأطراف، وأمهات غير قادرات على العمل، يحضنّ أطفالًا صغاًرا كثر، وهمومًا أكثر. ومن يحملها غير هؤلاء الرجال الصغار؟ الصغار المشردون في تركيا، المعلقون على حافة الحياة، التي غدت ربما كسلة مهملات كبيرة، كقمامة لأفكار مزيفة ومبادئ مشوهة، عندما لم تستطع أن تؤمن لأولئك الأطفال بيتًا يؤويهم، وسقفًا يحميهم، ومدرسة يتعلمون فيها.

خرجوا هربًا من الظلم.. يبحثون عن عدل وسلام، فإذا بهم يقعون في ظلم جديد، لكنهم لم يتوانوا، لم يستسلموا ولم يتخاذلوا.. لقد بحثوا عن عمل شريف يعتاشون منه هم وأسرهم، فلم يجدوا غير جمع المواد من النفايات لإعادة التدوير. يجمعون النفايات، جمعتهم الأيام، جمعهم صدقهم مع الذات والبحث عن مخرج للنجاة، بينما حولهم في الكثير من الأحيان مجتمع غارق -في شريحة ليست بالقليلة منه- في النفاق والكذب والاستغلال. فالقصة لم تعد فقط عدوًا ظالمًا ظاهرًا، ونقيضه المخلص والطاهر الثائر، بل هناك طابور ثالث يتاجر بهموم الوطن والإنسان ويملأ جيوبه بالمال ولا يسمح لنفسه بأن يترك ولو الفتات لهؤلاء المرميين في الطرقات، والغارقين في وحل المخيمات والساكنين في الخرابات. خرابة هو عالمكم الذي لم يستطع أن يترك قليلًا من الإنسانية لهؤلاء، الوحل هو سقفكم يا من تدعون العمل تحت سقف الوطن، الذي سحقتم إنسانه بأقدام جشعكم. لو تركتم فقط عشرًا من أموالكم أيها التجار العظام، أيها الأكابر، أصحاب رؤوس الأموال، لما كانت رؤوس هؤلاء الثلاثة داخل حاوية المهملات.. لما رأينا أطفالًا كالورود المتفتحة، تذبل إنسانيتهم وهم يبحثون عن بقايا حياة.. هل هناك بقايا؟ بقايا إنسانية لديكم بعد؟

الثلاثة الذين خلفوا، خلفهم النفاق والاستغلال والظلم، ولكنهم صدقوا.. صدقوا في الاعتراف بالضعف وصدقوا في البحث عن مخرج، وصدقهم هذا سينجيهم كما أنجى أولئك الثلاثة رضوان الله عليهم، ليتوب الله عليهم من فوق سبع سماوات. أما أنتم يا أحمد ومحمد ويوسف، فبالتأكيد سيتوب الله عليكم من هذا العذاب لصدقكم، وسيكون العذاب كل العذاب لأولئك الذين حرموكم حقكم، أولئك سيكون مكانهم الزبالة، التي كنتم معلقين عليها.

 

 

تابعنا على تويتر


Top