الأحلام والآمال، عزاء السوريين الوحيد

تخيّل لو ..

-لو.jpg

بيلسان عمر – ريف دمشق

تخيّل لو أن بشار الأسد أعلن تنحيه عن السلطة من الأيام الأولى للثورة، بل لك أن تتخيل لو أن الثورة استمرت وبدون هذه الدماء التي أريقت بشكل يعجز أحدنا حتى عن تخيّل حقيقته، وبقي لك أن تتخيل أن دول الجوار استقبلت اللاجئين السوريين أحسن استقبال، وكذلك المدن السورية رحبت بالنازحين إليها بشكل لائق بهم وبها، أو دعنا نتخيل أنه لم يضطر أحد للجوء وترك منزله أساسًا. فلك ولي ولنا جميعًا الحق بأن نتخيل ما يحلو لنا، ونخاله يطيّب جراحنا.

عصام طالب في كلية الهندسة المدنية، يصف نفسه بأنه رمادي «يمكن الناس تكرهني، لحد الآن ما عم أقدر آخذ موقف من الأحداث، ومع ذلك كل ما يخطر لي موقف، أدور في فلك تخيلاتي بين إحداها تثير مخاوفي، وأخرى تقضي عليها، فما أعجز عن قوله في يقظتي أسلخ من نفسي شخصًا آخر في أحلامي أجيد تمويهه، وأطلق له العنان ليتكلم بما أرغب»، بينما تعتقد صديقته ريم بأن الأحلام رغم كونها تهربًا من الواقع، إلا أنها تساعد الإنسان على التكيف مع حياته القاسية، فهي –بنظرها- المخرج من تعقيدات اللحظة، فمع الخيال يرسم الإنسان صورة لمستقبل أفضل يحميه من السقوط في درك اليأس».

وهنا لنتساءل: تُراه أيبني الخيال جسرًا لمن قعد على هاوية الانتحار، ليعبر به إلى بر الأمل؟.

السيدة أم محمد تصارع لحظات حنينها القاسية بتخيلاتها أيضًا «ما بقى عندي غير الدعاء والتخيل، طول الوقت قاعدة عم أتخيل أبواب السجن انفتحت، ورجعوا ولادي بالسلامة، بتخيل لحظة استقبالهم، لحظة بدي ضمهم وشمهم وأقعد أتأمل كل مسام بأجسامهم، وبنفس الوقت بتخيل بشار إنو الله انتقم منو أشد انتقام».

ومع أن السيدة أم محمد أخذت بمشاعرنا حدًا بعيدًا، ولكن لنتساءل للمرة الثانية، هل يقفز الخيال بصاحبه فوق حواجز الزمان والمكان، ليمدّ الإنسان قبضته، فيمسك ما عجز عنه في واقعه؟.

أما سوسن، التي لم يتجاوز عمرها عدد أصابع اليدين، فإن مخاوف أمها تزداد عليها، إذ غالبًا ما تدخل الأم على ابنتها، صارخة: سوسن، بوجه الأم التي تقطع عليها حديثها مع والدها الشهيد، فهي تستحضره معها في كل لحظاتها، كما تقول الأم، وتكلمه حتى عن أدق التفاصيل اليومية «دايمًا بتخيل بابا جايب لي أكلات طيبة وألعاب، وبيسألني عن ماما ومدرستي، وبيحكي لي عن بيتنا الجديد بالجنة بدل بيتنا المهدم بالقصف، ولما ما في كهربا ما بخاف لأنو بابا بكون معه شمعة ما بتذوب أبدًا، وقلت له أنو ركبنا صوبية قبل التلج، بس ما قدرنا نشتري مازوت، وصرنا نتخيلها شغالة، ونحس بالدفا».

براءة سوسن لم تحل دون أن نسأل هذه المرة، أتُراه صاحب الحلم قادر أن يتذوق طعم الوفرة، ويستضيء بنور الأمل، ويطلق ساقية للعيش في بحبوحة الحنين، مع دفء الأمل باللقاء؟.

ويهزأ رامي من تخيلاته اليومية بأن يصل إلى منزله بدون حواجز على الطريق، جالسًا على كرسي باص النقل الداخلي، لا معجونًا بين كتل اللحم التي تتطاير أياديها خارج النوافذ لتفسح مكانًا لغيرها، علّ الله يفسح لها مجالًا للعودة إلى منزل خاوٍ على عروشه من ماء وكهرباء ووسائل تدفئة –إلا من رحمته سياسة حكومته الظالمة-، وهنا سنحابي رامي بسخريتنا من واقعنا، فتُراها مقومات الحياة الأساسية أصبحت بطل تخيلاتنا؟ بعيدًا عن سذاجة أحلامنا بفتاة حسناء لا مثيل لطلتها، تنتظر فارس أحلامها على حصان أبيض، يحملها بعيدًا عن واقعهما، إلى عالم لا يوجد فيه إلا الحب والسلام.

تابعنا على تويتر


Top