أعطال الكهرباء في دمشق… البرد كافر والعواصف لا ترحم والحكومة لا دين لها

-الكهرباء-في-دمشق-copy1.jpg

«عذر أقبح من ذنب»، «ضربني وبكى وسبقني واشتكى»، «ليته سكت»، مقولات عامية يحتار المرء أيها أكثر ملاءمة للوقاحة العارية التي يواجهها يوميًا وبأشكال مختلفة، فينتهي به المطاف أن يرددها جميعها أو يسكت عنها كلها.

التقنين في الكهرباء الذي يزداد كثافة ومدة في العاصمة دمشق وأريافها ويمتد إلى الرقعة الجغرافية السورية بكاملها بات أمرًا طبيعيًا ومألوفًا، لدرجة أنه لم يعد ضيفًا زائرًا، بل فردًا من أفراد العائلة، وأصبح السوريون يفتقدونه إن غاب كما يفتقدون فردًا من عائلتهم، فتسمع الناس بسخرية يقولون إن لم ينقطع التيار في وقت التقنين: «غريب ما انقطعت الكهربا .. ليكون في شي عطل!» أو يتصلون بالشركة كنوع من الفكاهة ليطمئنوا على سلامة العاملين واستتباب الأمور.

الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود، وثقل الحرب، وانقطاع التيار الكهربائي، كل هذا وأكثر، اعتاده الشعب السوري وأصبح لديه مناعة ضده، ككل ما يتكرر فيؤلف، ولم يعد يسبب غضب السوريين ولا استياءهم الذي أثبت عدم جدواه.

بالتزامن مع العاصفة الثلجية وتساقط الثلوج، طالت مدة التقنين وازدادت أعطال الكهرباء، التي تستمر يومًا أو يومين أو أربعة أيام كما حصل في المزة، حيث احترق «الكبل الكهربائي» قرب مخفر كيوان إلى جانب مشفى المواساة، لينقطع معه التيار الذي يغذي ثلاث حارات تعتمد الكهرباء كمصدر رئيسي للدفء والنور.

«الحياة من دون كهرباء صعبة في الظروف العادية، ولكنها تصبح كارثية إذا تزامنت مع امتحانات المدارس واقتراب امتحانات الجامعة والبرودة الشديدة التي تزداد في المزة لارتفاعها عن باقي مناطق دمشق»، تقول هالة لعنب بلدي، وهي طالبة طب.

وهذا ما دفع بعض سكان المنطقة لترك بيوتهم والذهاب إلى مكان آخر، مثل «أم عمر» التي أخذت ابنتيها اللتين اشتد مرضهما من البرد وابنها الذي تجمد الدم في عروقه فلم يعد قادرًا على الدراسة للإقامة المؤقتة عند أهلها في «مشروع دمر».

أما من ليس له مكان ليذهب إليه فاكتفى بالمحاولة المستمرة للاتصال بطوارئ الكهرباء، لكن الاتصال غير ممكن لأن الخط مشغول طيلة الوقت، وإن حصلت المفاجأة ورن الهاتف، فلن يجيبوا، وإن حصلت «المعجزة» وأجابوا فلا أحد يعبأ بالمتصل. يقول أحمد (طالب طب أسنان) «لو عم نتصل ببشار الأسد كان رد».

بعد يومين من الانقطاع، اجتمع بعض رجال الحارات الثلاث بعد وعود شركة الكهرباء بإصلاح العطل، ورفعوا الأمر للوزير، فأخبرهم أن الكبل محترق وأنه سيكلف الدولة مبلغًا باهظًا، ولكنه وعدهم بإصلاحه على جناح السرعة، و»على الوعد يا كمون» كما يقال في سوريا، لم تأت الشركة لتصلح العطل إلا بعد يومين.

طلب عاملو الكهرباء مبلغًا من المال ليقوموا «بعملهم» قدره 25 ألفًا، وحين رفض السكان الدفع، لأن العطل ليس بسببهم، أجابوا بوقاحة فجة إن سبب احتراق الكبل الكهربائي هو الضغط عليه والاستهلاك الكبير للكهرباء و»التحميل « فوق طاقته، وانتهى الحوار بأن ترك العمال ما بيدهم، وعادوا أدراجهم متعللين بأن «الدنيا عتمة وما عم نشوف» ليعود الأهالي بخفي حنين.

الاستياء العارم الذي عمّ المنطقة، والشكاوى التي لم تتوقف، جعلت الشركة تعود في اليوم التالي لتطلب مبلغًا أقل، ولكن حلاق الحارة قال لهم «إذا خفّضتم سعر الوقود سنتخلى عن الكهرباء، ولكنها المصدر الوحيد للدفء اليوم».

حتى الحلول التي لجأ إليها السكان لتخفيف أزمة الكهرباء، كالبطاريات مع «الليدات» والمولدات والشواحن، لم تعد تجدي نفعًا، فلا وقود للمولدّات ولا طاقة لتشحن البطاريات و»لم يبق إلا ضوء الشمس ودفئها»، تقول سارة (طالبة طب أسنان سنة ثانية).

التلفزيون السوري وإعلامه نفوا مسؤولية وزارة الكهرباء عن الأعطال، قائلين إن السبب هو «الاستهلاك الزائد»، وعلى ذلك يعلق أبو عبدو (بائع خضار في المزة) ساخرًا: «ينفون مسؤوليتهم وكأن من رفع سعر الوقود وجعل شراءه حلمًا لدى الشعب هو الكابتن ماجد أو بندر بن سلطان».

لم يعد غريبًا أن ترى في القرن الواحد والعشرين فتاة صغيرة تحرق دفاترها لتمنحها دقائق دفء، ولا صبيًا صغيرًا يجر خلفه أغصان شجرة في منتصف العاصمة دمشق ليذهب بها إلى بيته، وإن أردت أن لا تبدو غريبًا في هذه المدينة أمام مشهد كهذا فلا تسأل الصبي عما يفعل ولا تتعجب من الفتاة .. فالبرد كافر والعواصف لا ترحم والحكومة لا دين لها.

تابعنا على تويتر


Top