جلد الإسلام للتبرّؤ من الإرهاب

فيكتوريوس بيان شمس

كثُرت التكهنات والتحليلات والهرج والمرج حول العملية الإرهابية التي وقعت في باريس ومنفّذيها، والتي راح ضحيتها مجموعة من رسامي الكاريكاتير العاملين بصحيفة «شارلي ايبدو» الساخرة صبيحة يوم الأربعاء 7/1/2015، والتي اتبعت في اليوم التالي بعملية أخرى جنوب العاصمة استهدفت مطعمًا قريبًا من مسجد، ثم بدأت سلسلة عمليات متفرّقة في أكثر من مكان.

لعل من الطبيعي في هذا المجال لأي عاقل أن يدين من حيث المبدأ استعمال العنف ضد أي صاحب رأي، سواء كان كاتبًا، أو رسّامًا، أو مفكرًا، أو إعلاميًا. لكن المسألة عند شريحة عربية مثقفة واسعة لم تكن كذلك، فالشجب والاستنكار كان مقرونًا بهجوم على الإسلام كدين يحض على العنف والكراهية، وعلى المسلمين كأناس عنفيين، لا حضاريين، ولا يحتملون الرأي الآخر.

لم يحدّد هؤلاء أي إسلام وأي مسلمين يقصدون، فالهجوم الساخط كان عامًّا، لا يفرّق بين إسلام وآخر، وهو ليس هجومًا على الدين بعامة، بل على الإسلامي منه بالتحديد. فقبل حوادث باريس بأيام قليلة أُحرقت 8 مساجد في السويد، ورُسم على جدرانها الصليب المعقوف، دون أن يحدث هذا الاعتداء أي جلبة على الساحة الثقافية العربية التي مرّرته كخبر عابر.

وإذا ما أخذ المرء بعين الاعتبار، أن أوروبا تسمح لأحزاب اليمين المسيحي فيها بممارسة العمل السياسي والتداول على السلطة بحسب القوانين المرعية، وقبول المثقفين العرب بهذا الشكل من الديموقراطية، بل والثناء عليه أحيانًا، فيما تجزم الغالبية العظمى منهم أن ليس لـ «الإسلام السياسي» مكان في التركيبات السياسية المستقبلية في العالم العربي، يفهم على الفور، أن مشكلة هؤلاء مع الإسلام، وليس مع أي دين آخر.

هذا يعني بداية، أنّ القسم السوري منهم، لو لم يعرف كيف ركّبت المنظّمات الأصولية المتطرّفة بالاستفادة من خبرات النظام السوري في هذا المجال، لأيّدوا النظام السوري في حربه المزعومة على الإرهاب من بعد تصديق روايته التي يلوكونها بطرق أخرى، تتقاطع من حيث يعلمون أو لا يعلمون مع مراميه. كما يعني أيضًا، إذا كان الحديث عن مبدئية الإدانة لأي اعتداء على أصحاب الرأي، أن أي اعتداء على مؤسّسات النظام وإعلامييه ومثقّفيه، يجب أن يكون مدانًا بالضبط، كما أُدينت أحداث باريس المؤسفة.

الملفت في هذا السياق، أن قسمًا لا بأس به من المغرّدين على مواقع التواصل الاجتماعية، الذين صبّوا جام غضبهم على الإسلام والمسلمين، يربطون بين الحادثة، وبين احتمال ضلوع وتورّط النظام السوري فيها، مستشهدين بتصريحات سابقة للمفتي أحمد بدر الدين حسون، والتي هدّد بها أوروبا والغرب «بعمليات انتحارية»، عندما اتّهمه «بدعم الإرهاب في سوريا».

في كل ردود الفعل المستنكرة، قلّما يظهر رأي يتحدّث عن محدودية الحرية النسبية في بلدان كفرنسا نفسها، والتي مازالت إلى اليوم، ورغم عراقة القضاء، والمؤسّسات الديموقراطية الحاكمة بها، والعمل بمبدأ فصل السلطات، مازالت تتحفّظ على معتقل يساري يتحدّر من عائلة مسيحية عربية هذه المرّة وليست إسلامية، كاللبناني جورج إبراهيم عبدالله الذي قضى محكوميته بعد أن اعتقل منذ العام 1984، وصدر في العام 2013 حكمًا قضائيًا بالإفراج عنه، إلا أن الحكومة الفرنسية، ولأسباب لا تفسّر إلا بالكيدية الشبيهة بكيدية أنظمة الاستبداد العربي، مازالت ترفض إطلاق سراحه.

لا يميّز الساخطون أن الإسلام كما غيره من الإيديولوجيات الدينية والوضعية، ليس هو ذاته حاضرًا وماضيًا. فهو في تركيا، مختلف عنه في ماليزيا، أو السعودية، أو إندونيسيا. وهو في الزمن الحاضر، ليس كما كان في فترة حكم الخلفاء الأولين، أو بعدهم في العهود الأموية والعبّاسية والمملوكية والعثمانية، في عصور غابرة كان نمط الإنتاج الآسيوي – الاستبدادي مسيطرًا فيها. وأن مصادر التطرّف كثيرة متعدّدة، واستعمالها الاستخباراتي متاح، إذ ليس هنالك إيديولوجيا واحدة محصّنة ضده.

لا ينتبه هؤلاء الذين يدينون الإسلام، إذ يدينون الإرهاب، أنّهم يتماهون مع الحلول الغربية التي يرفضونها في مكان، ثم يتبنّونها في آخر. كأن يُدان الغرب عندما يغزو دولًا، ويشرّد شعوبها بحجّة التطرّف الإسلامي الذي تمارسه مجموعة محدّدة، وهو ما يعزّز التطرّف بالفعل في ظل غياب الإيديولوجيات الأخرى. تقوم نخبة من المثقّفين العرب بإدانة الإسلام، دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذا دين أكثر من مليار إنسان على وجه البسيطة، وأن هذا التشابه مع الغرب، يلعب دورًا فعالًا في تغذية وتعزيز التطرّف لدى شريحة واسعة من المضطهدين في العالم. ولا ينتبهون أن حرية التعبير التي يجب أن تكون مصانة، يجب أيضًا أن لا تتعدّى حدودها بإهانة مشاعر ملايين البشر، وأن ما تقبله ديانة ما، قد لا تقبله أخرى، وأن المقارنة هنا بين قبول المسيحيين أو اليهود أو غيرهم لبعض الرسومات الساخرة في الصحيفة نفسها شيء، وقبولها أو رفضها لدى ديانة أخرى شيء آخر تمامًا. فكيف إذا اتّضح أن الصحيفة نفسها كانت قد بدأت منذ العام 2011 تتعرّض للتهديدات بسبب الإساءة للدين الإسلامي عندما أحرقت مكاتبها آنذاك، ثم تم اعتراض موقعها على الإنترنت في العام 2012، وفي نفس العام رفعت ضدّها دعوى قضائية لإساءتها للنبي، ثم في العام 2013 أصدرت كتابًا مصوّرًا ساخرًا حول سيرة حياة النبي محمد؟. هكذا يتوضّح إصرار الصحيفة على المضي بالمساس بمعتقدات الناس، في بلد «حرّ»، قد تقودك فيه تهمة «معاداة السامية» إلى الاعتقال، ألم يحدث هذا مع روجيه غارودي؟

إضافة إلى كل ذلك، وبوجود كل أسباب الاستفزاز الذي يغذّي التطرّف، والذي قد يدفع منظّمة أصولية ما لارتكاب جريمة كهذه، تصلح هذه المبرّرات ذاتها لأن تستخدم مخابراتيًا لتحريك ملف الإرهاب داخل أوروبا نفسها لدفعها نحو اتّخاذ موقف ما، وهنا قد تصح تكهّنات البعض بضلوع النظام السوري بهذه الجريمة إذا ما أُخذ تهديد مفتي النظام المشار إليه أعلاه بعين الاعتبار وبجدّية.

لا شك أن أحداث فرنسا المأساوية والمؤسفة، مدانة، لكن إقران الإدانة بهجوم شامل على الإسلام والمسلمين، أمر آخر يستدعي الإدانة أيضًا.

تابعنا على تويتر


Top