كلنا محمد .. والجريمة ليست في باريس

بهاء زيادة

تحسس غالبية المسلمين رقابهم وسارعوا -قبل غيرهم- إلى إطلاق شعار «أنا شارلي»، ليخوضوا في بورصة تسجيل المواقف مبررين امتهان كرامتهم بحرية التعبير.

لم ترتكب الجريمة في باريس، بل بدأت في البلاد التي فتحها أصحاب النبي ورقدوا إلى مثواهم الأخير فيها مطمئنين بأن أخلاق نبيهم عمّت أرجاء البلاد وغادرتهم الجاهلية إلى غير رجعة.. فعلها المسلمون جميعًا، ليس في باريس بل في بلادهم وأماكن عملهم وبيوتهم.

عداوةٌ موروثة يعيشها الشعب السوري في عصر الربيع؛ يَقتلون ويُقتلون باسم النبي وباسم الإسلام، ما جعله يموت من البرد والجوع بأيدي إخوانه المسلمين المدّعين أنهم من نفس الملة ومن أنصار النبي، وما زاد الطين بلة مسارعتنا -نحن المسيئين لأنفسنا- إلى تأييد شارلي إيبدو.

بدوره ظهر «الأزهر الشريف» موصيًا جموع المسلمين أن تجاهلوا الرسوم المسيئة التي صدرت في العدد الأخير من الصحيفة «درءًا للفتنة ودفعًا للكراهية»، وأي فتنة وكراهية هي أكبر من التي نعيشها اليوم، وقد اعتدنا امتهان كرامتنا.

لماذا لم نقل «نبينا لا يأمرنا بقتل الآمنين»؟ لماذا لم تطلق صحف العالم الإسلامي والعربي، التي استنكرت وشجبت الحادثة، حملات تذكر المسلمين بأننا نحن من أساء للنبي في البداية، في حالنا ومقالنا؟

لم تصمت المؤسسة الدينية أمام الحاكم الظالم فحسب، ولكنها وقفت معه جنبًا إلى جنب ضد حق الشعب المشروع في الكرامة، والآن تقف موقف الأعمى الأصم لا يرى ولا يسمع، توصي الناس بتجاهل ما ترى وكأن شيئًا لم يكن «حفظًا للمصلحة العامة».

على شاشة التلفاز مئات القنوات الدينية، وفي المكتبة الإلكترونية آلاف الصحف التي تصدر بأقلام محررين مسلمين، اكتفوا جميعًا بتغطية المسلسل الباريسي المبهم، دون تسجيل مواقف من نشر الصور المسيئة بدايةً أو من اتهام المسلمين وتهديدهم بفتح «أبواب جهنم».

ما الذي يمنع من أي إجراءٍ للرد يظهر الرقي في أخلاق الإسلام بدل التغافل والتعامي عن الصور، والانصراف إلى وصف الإعلام الغربي بـ «المتآمر اليهودي والماسوني الذي يسيء لنا ولديننا»، وأين إعلامنا في المقابل ليواجه نظرية المؤامرة ويزيل من حولها هالة الاستعصاء وينهي عصر المعادلة مستحيلة الحل.

ما الذي يمنعنا عن حملة أخرى مترجمة إلى عددٍ أكبر من لغات العالم تتسارع في انتشارها مع أخبار باريس، تنحو نحو عدد شارلي الأخير والصور المسيئة التي وصلت إلى الملايين، والتي أعقبت الانتقام المزعوم.

كلنا محمد الذي يأمر بالإحسان إحسانًا، وبالسوء عفوًا عند المقدرة.. كلنا محمد الذي كفّن بقميصه عدوه ابن سلول الذي أساء إليه في معظم سنين حياته، ثم صلى عليه وقال لأصحابه «لو أعلم أني لو أستغفر له أكثر من سبعين مرةً غفر له، لاستغفرت له».

نعم لقد رجعنا كفارًا، وقد أوصانا نبينا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض؛ أسأنا لأنفسنا قبلهم دون أن نرسم صور شارلي إيبدو، بل صورنا فيديوهات وأفلام عن جز الرقاب بغير حق والعبث في أعراض الناس بغير برهان.

يسألني صديقي الإيطالي في معرض الحديث عن الحرب في سوريا «الذين افتعلوا جريمة باريس هم سوريون أليس كذلك؟».. نعم، بات الشارع الغربي يؤمن أن في الشرق الأوسط على وجه العموم بركة من الدماء، وأن الشعوب المسلمة هم مصاصون للدماء يمكن أن يلتهموا أمنكم في أي غفلة، وما الذي يمكن أن يقنعهم أن الإسلام لا يأمر بترويع الآمنين في أوطانهم فضلًا عن قتلهم.

الإعلام الغربي المحلي مسيّسٌ كما إعلامنا العربي، والشعب الغربي لا يكلف نفسه بالتنقيب والبحث عن الأسباب والمشاكل التي تخصنا نحن العرب، بل ينأى بنفسه عن كل هذا ويكتفي بمشاهدة ما يمليه عليه الإعلام، ليتشكل رأي الشارع بهذه الطريقة السطحية.

حوّلنا، بطريقة تعاطينا مع الحادثة، شارلي إيبدو من مجرم بحق المسلمين إلى ضحية ورفعنا القبعة وعزينا بـ «شهداء» الصحيفة، ونددنا بالعمل الإجرامي والهجوم الذي حصل على المدنيين الآمنين.

وتناسينا أن هذه الممارسة الخاطئة بحق الصحيفة لا تغفر لها كونها أساءت إلينا قبل أن تسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، وما زاد الأمور تعقيدًا إلا وسم مواقعنا على الإنترنت وصحفنا بـ «كلنا شارلي» تضامنًا مع من أساء إلى نبينا، على مبدأ «عفا الله عما مضى واذكروا محاسن موتاكم».

تابعنا على تويتر


Top