عدسات وأقلام برسم الإعلام

مع انطلاقة الثورة، جنود مجهولون بدأوا بالعمل… عملهم كان تصوير الواقع وتوثيقه ونقله للعالم كي يرى حقيقة ما يجري في سوريا، استخدموا أبسط الوسائل المتوفرة لديهم من كاميرات الهواتف المحمولة والكاميرات الرقمية الصغيرة في ظل تعتيم إعلامي رسمي منقطع النظير، لكنهم بعد أن قاموا بإيصال أصواتهم للعالم الخارجي وكسروا حاجز التعتيم الإعلامي، أصبحوا هدفاً يتتبعه عناصر الأمن والمخابرات لينالوا منه ويسكتوه بشتى الوسائل. 

القاشوش، أيقونة الثورة السورية

استفاق السوريون في 3/7/2011 على خبر اغتيال إبراهيم قاشوش، أيقونة الثورة السورية، وهو شاب من مدينة حماة نشط خلال الاحتجاجات الشعبية السورية في قيادة المظاهرات التي تنادي بإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد وتأليف الشعارات المناوئة للنظام السوري وقيادته بما فيهم الرئيس السوري شخصياً وشقيقه ماهر وحزب البعث وإنشادها أمام الجماهير في ساحة العاصي في قلب حماة، لعل أشهرها أنشودة (يلا ارحل يا بشار) التي أصبحت على كل لسان في سوريا وهي الهتاف الذي ألفه في جمعة (إرحل) التي احتشد فيها زهاء نصف مليون متظاهر في ساحة العاصي في حماة مطالبين بإسقاط النظام وأقيل على إثرها المحافظ، وكانت النتيجة أن وصلت إليه يد الغدر الأسدية وقامت بذبحه بأبشع الطرق الوحشية واقتلعت حنجرته وألقته في نهر العاصي ليسيل دمه مع مياه النهر ويروي التراب السوري بأكمله. حاولت القوات البربرية إسكات صوت القاشوش لكن السوريون تحولوا جميعهم إلى قاشوش جديد يصدحون بأغانيه في كل مدينة وقرية خلال التظاهرات.

أصابع رسمت الحرية فقابلها النظام بالكسر
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر النظام المجرم بتصيّد الأصوات الحرة وكان أن هوجم الفنان العالمي علي فرزات وضُر ضرباً مبرحاً وكسرت أصابعه التي يرسم بها لوحات توصل جرحنا السوري النازف للعالم بأسره، لكن جل الأصابع السورية تحولت بعد ذلك إلى أصابع فرزاتية مكملة الطريق ريثما تتعافى أنامله ويتابع الطريق الذي بدأه.

صور بعدسته الأحداث من حوله، فكان أن اقتلع النظام عينه !!
فرزات آخر كان هدفاً لوحشية النظام، إنه فرزات الجربان يعمل مصوراً تلفزيونياً مستقلاً، قام بتصوير الوقائع في حمص ونقلها للعالم، أوقف في 19/11/2011 عندما كان يصور التظاهرات وعثر على جثته مشوهة في صباح اليوم التالي وقد اقتلعت عيونه في إشارة من النظام السفاح أن كل عين تبصر الحقيقة وتريد إيصالها للعالم سنقتلعها. وتوالت محاولات النظام اليائسة لإسكات صوت الحق الذي يحاول إخبار الجميع بحالنا نحن السوريين في الداخل وإبراز وحشية النظام الذي يحاول جاهداً بدوره ادعاء عدم وجود أية احتجاجات ويحاول إخفاء جرائمه ضد الإنسانية مدعياً أنها مؤامرة خارجية تحاك ضده في استوديوهات إعلامية مغرضة خارج حدود سوريا.

حناجر فتية، وأسود على الأرض
وتستمر الحكاية، وكان عبد الباسط الساروت، أيقونة أخرى في رواية ثورتنا، صوت شاب ألهب الثورة بهتافاته ومظاهراته التي كان يقودها في حمص بأعداد هائلة أثارت رعب وجنون النظام، لاحقته عيون الأمن والمخابرات مقتفية أثره في كل مكان وهاجمت منزله وتعرضت لإخوته في أكثر من حادثة في محاولة لثنيه عن الاستمرار وإخراس صوته الذي جهر بالحق متحدياً آلة الحرب الأسدية. وكان خالد أبو صلاح مراسل الثورة في بابا عمرو وحمص العدية، صوت الحق في كل مكان، ناشط على الأرض ومع الشعب، بين الحشود ومع المصابين والجرحى، يضمد الجراح ويحيي في النفوس الأمل، استهدف هو الآخر وكانت النتيجة أن استشهد أخوه الأصغر… لكن هيهات يسكتون أصوات الحق هيهات.

مراسلو بابا عمرو.. تضحيات بلا حدود
في بابا عمرو أيضاً، وفي 21/2/2012، قامت القوات الأسدية باغتيال الناشط والمصور رامي أحمد السيد، رامي نقل لنا أحداث ووقائع بابا عمرو بتفاصيلها، حيث امتهن منذ بداية الثورة العمل الصحفي في حي بابا عمرو يوثق جرائم الأسد بعدسته وينقلها للعالم أجمع، فارقنا رامي متأثرا بجراحه نتيجة إصابته بشظايا صاروخ أسدي، وكانت آخر كلماته التي قالها للإعلام قبل استشهاده: «شباب بابا عمرو تباد هلأ إبادة جماعية ما بدي حدا يقلي قلوبنا معكم بعرف هالشي بدنا حملات بكل مكان بالخارج والداخل وهلئ تطلع العالم قدام السفارات وبكل مكان بعد ساعة ما عاد يكون في شي اسمو بابا عمرو وبتوقع هي آخر رسالة وما حدا مسامحكم». استشهد رامي عندما كان يقوم بإيصال عائلة إلى المشفى الميداني في بابا عمرو، أصابت سيارتهم قذيفة صاروخية، لم يستشهد على الفور إلا أنه فارق الحياة لعدم توفر كادر طبي كافي ومعدات طبية لازمة لإسعافه وإيقاف نزيفه. واستشهد ولم يسامح صمتنا، حملنا أمانة المضي في طريقه حتى نيل النصر أو اللحاق بركب الشهادة.

حسين العلي، رصاصة مباشرة في الرأس لقاء عمله في البث المباشر للمظاهرات
في اليوم التالي، سمعنا خبر استشهاد حسين العلي، ناشط إعلامي ومصور البث المباشر بقرية الخريطة في دير الزور، في رسالة باتت واضحة كعين الشمس، يريد النظام البربري إيصالها أن صوت الحق سيبقى مكبوتاً.

ثنائي أحب الوطن وأخلص النية لله، فكانت الشهادة يتسابقان للجنة
منذ بداية المظاهرات في حمص وهما معاً، عرفا بنشاطهما الإعلامي والتنظيمي المميز فأنس الطرشة يصور ما يجري حوله بعدسة كاميرته الصغيرة وطارق الأسود، منشد حي الملعب، يصدح بصوته مشعلاً مظاهرات الإنشاءات وبابا عمرو، عمل أنس مديراً للمركز الإعلامي لتنسيقية بابا عمرو، كما نشط في نقل البث المباشر للتظاهرات وأعمال القصف، إلى جانب التصوير ونقل الأخبار لوسائل الإعلام وهو طالب سنة أولى في كلية إدارة الأعمال في جامعة القلمون. كانا يوثقان الأحداث بكل جرأة، وفي جمعة سننتفض لأجلك بابا عمرو، في 24/2/شباط2012 قُتلا في حي القرابيص في مدينة حمص جراء سقوط قذيفة هاون على سيارتهما حيث كانا ينقلان الجرحى، فقد أنس على أثرها النصف السفلي من جسمه وفارق الحياة على الفور وحلقت روحهما إلى السماء معاً.. كما كانا دائماً على الأرض وكان آخر ما كتبه أنس قبل استشهاده: «يا الله نحن نقصف يا الله ….مالنا غيرك يا الله … احم باباعمرو الصامدة … كن معنا يا الله … قصف متواصل لأكثر من 13 يوم… بالهاون وراجمات الصواريخ؟؟؟ وعلى من!!! على شعبه يا الله … بالدبابات الروسية الحديثة … يا الله كن معنا يا الله…. يا الله احمي الجيش الحر يا الله، اللهم تقبلني بين شهدائك ياااارب….
مساكين هم أذناب النظام وزبانيته، لم يدركوا بعد من هو الشعب السوري.. فكلنا عيون الحق وصوته وسنكمل المضي في هذا الطريق مهما طال الأمد، مستمرون حتى نيل حريتنا وإعدام القتلة المجرمين.. ماضون كحد السيف بحناجرنا وأقلامنا وعدسات كاميراتنا ننقل الواقع ونعلي صوت الحق في وجه الطغيان.

تابعنا على تويتر


Top