هل ستكون المرة الأخيرة 

china-holding-hands-for-portfolio.jpg

شمس الهادي

هل ستكون المرة الأخيرة؟

تسألها عينان تغرقان في الحزن..وتختنقان بالكارثة..عينا تلك المرأة التي ينتزع زوجها من حضنها، لتكبل يداه بالأصفاد.. يقبض عليه الجلادون، وتلقي نظرة وداع أخيرة، كيف سأستطيع الصمود، يا الله؟ يقول لها: لا تستسلمي، سأصمد من أجلك. تقول: امض ولا تخف، تودعه عيناها وهو يبتعد، كأنما ينتزع من القلب، شيئًا فشيئًا، وتتمزق الروح.

هل ستكون المرة الأخيرة؟

التي تلتقي فيها عيناي بعينيك..تسألني عيناي، يسألني قلبي.

هل ستكون المرة الأخيرة؟

التي سأكون فيها بين ذراعيك، المرة الأخيرة التي تتشبع  فيها روحي من رائحتك، عطر جنتي.

هل ستكون المرة الأخيرة؟

التي أغسل فيها ثيابك، هل ستكون آخر مرة نجلس فيها لنحتسي فنجان قهوتنا، معًا في الصباح؟ هل ما زلت تذكر فنجانينا اللذَين كانا على شكل قلب مكون من جزأين، واللذَين أحضرتهما لي من باريس، كنا نتقاسم معًا القلب، القهوة، الحب، والحياة. تبدو كلمات قليلة ولكنها كانت كل حياتي.

واأسفاه..هل ستكون فعلا المرة الأخيرة؟

قالتها مئات الآلاف من السوريات، اللاتي فقدن أزواجهن، حين اعتقلهم النظام المستبد، أو أخفتهم داعش، أو خطفهم اللصوص، أو صعدوا في الطائرات أو المراكب الموشكة على الغرق.

الزوج الذي كانت تعرفه، وفقدت معه كل حياتها.. أين ذهب ذلك الإنسان؟ هل أضعتك يا حبيبي في الطريق إلى المخيم؟ لم أعد أعرفك! كنت حنونًا ودودًا ولطيفًا، كنت أوسع صدرًا، كنت تعرف كيف تستمتع بوقتك معنا. والآن بعد أن سلبوك وطنك، وعملك، وقوتك، وإحساسك برجولتك، لم أعد أعرفك يا حبيبي!

لقد تغيرت.. أصبحت رجلًا آخر غير الذي عرفته! أين ضيعت حبيبي؟ أين؟ من هذا الساخط المتذمر لأتفه الأسباب؟ هذا ليس أنت، ليس أنت يا حبيبي.

هل غرقت محبتنا في الوحول أمام الخيمة؟ أم احترق الوداد مع دخان المدفأة الذي يخنق أنفاسنا؟ أم دفن كل ما تبقى من هناء مع جثة صغيرنا؟ مع جثة الوطن؟

هل ستكون المرة الأخيرة؟

حين ودعت عيناي الوطن آخر مرة، أعانق فيها ترابك، آخر مرة أتشبع فيها من نسيمك العليل. والآن يهب علينا النسيم.. نسم علينا الهوا.. يا فيروز، لكنه لم يأخذني إلى بلادي. نسم علينا الهوا يا فيروز وافترقنا.. شو بنا؟ نسيتنا تلك الزوايا يا فيروز أم أصبحنا غرباء! غرباء في الزمان والمكان، أخذنا الهوا إلى كل الأرض، نبحث عن بقايا حلم.. عن بقايا حياة.. عن بقايا ثورة كرامة.

هل ستكون المرة الأخيرة؟

التي يؤمن فيها شبابنا بالحلم، بالثورة، بالكرامة، بعد أن أصبحنا كالأيتام على موائد اللئام.

هل ستكون المرة الأخيرة؟

التي نتجرأ فيها على الحلم، على الحب، على الثورة، على الأمل.

هل ستكون آخر مرة يصدح فيها صوت الحرية في الناس؟

هل ستكون المرة الأخيرة؟

هل سنسمح أن تكون المرة الأخيرة؟

هل سبق وأن طال ليل ولم يأت صباح؟

هل سبق أن ضاعت خيوط النور، ولم تشرق الشمس؟

هل سبق واستمرت محنة للأبد؟

هل سبق في تاريخ نضالات الشعوب أن تنطفئ للأبد دون أن تنتصر في النهاية؟

إنه اختبار، وابتلاء، واصطفاء.

هل ستكون المرة الأخيرة؟

يا حلب..يا حمص..يا دمشق.

هل ستكون المرة الأخيرة؟

يا حبي..يا حلمي..يا أخي..يا وطني.

سيأتي يوم نعانق فيه أحلامنا..في الدنيا أو بعد الدنيا.

هل ستكون المرة الأخيرة؟ سأقول بكل شجاعة :بالتأكيد لا.

تابعنا على تويتر


Top