«لم يبق إلا أن يصادروا أحذيتنا»

ارتفاع أسعار الوقود وأزمة مواصلات في دمشق

543e547df2470-copy2.jpg

كل أزمة في أي مكان تصنع ديكتاتورييها، وكل حاجة ضرورية تصنع من محتاجيها عبيدًا ومن أصحابها ملوكًا، إذ الحاجة أمّ العبودية وأخت الذل، فالعولمة اليوم مثلًا وثورة الاتصالات رفعت مصنعيها إلى مصاف الملوك وألبست مستهلكيها لباس العبودية.

والأمر ذاته بالنسبة لأزمة المحروقات والغاز في دمشق وكذلك أزمة الكهرباء والخبز وغيره، لكن الأزمة التي كانت وما زالت في مقدمة الركب هي تلك التي تتعلق بالمواصلات، فسائقو و شوفيرية «الباصات» و «المكاري» و «التكاسي» مازالوا يرتدون بذلة الاستبداد ويرسمون سيماه على وجوههم منذ أعوام لم تبدأ تزامنًا مع «الأزمة السورية» ولكنها ازدادت تفاقمًا معها وأصبحت عصية أكثر.

«فالشوفير» اليوم وزيرٌ خلف مقوده وأميرٌ على عربته، ولا أحد يجرؤ أن يسأله عن السعر أو يناقشه في تعرفة الركوب لأنه ببساطة سيقول لك: «اللي ما عاجبو يجرب رياضة المشي» أو سيفتح لك ملف الأزمة وارتفاع تكلفة الوقود.

تعد المواصلات في دمشق من أشد الصور مفارقةً وأكثرها تناقضًا، فليس غريبًا أن ترى صاحب شركة محترمة على «أوتوستراد المزة»، بكامل أناقته، يركن سيارته ويتركها ليركض ويدافع الناس للوصول إلى مقعد مهترئ في باص قديم، فارتفاع تكلفة الوقود قطع الصلة بينه وبين سيارته، وليس غريبًا أن تراه هو ذاته يدخل في جدال عنيف مع السائق لأنه رفع أجرة الركوب، قد تجد صعوبة في تفهّم الموقف وأنت تنظر إلى «الجالكسي نوت» في يده وهو يجادل على «عشر ليرات»، لكن هكذا يسير منطق هذه البلاد.

من غير الممكن لمن يريد أن يزور دمشق أن يفهمها أو يتكلم لغتها إذا لم يجرب باصات النقل الداخلي، فهي تعطي صورة مهمة ومن غير الممكن تجاوزها عن هذه المدينة، فالتدافع على باب الحافلة الذي لا يميز كبيرًا ولا صغيرًا، والبؤس والهم المرتسمان على وجوه الركاب، وكذلك نسبة الفتيات إلى الشباب، حيث يمكن أن تجد نفسك في «باص» ممتلئ بالفتيات ولا ترى إلا عدة شباب حتى تكاد تشعر أنك في «كوكب زمردة»، لكنك حين تلقي نظرة على الشارع والآليات الثقيلة والحواجز التي تقطع أوصاله، تتأكد أن شعورك خاطئ وأنك ربما تكون في «كوكب أكشن». كل هذا يعطيك صورة عما آلت إليه المدينة.

و يعتبر «باص الدوار الجنوبي» الذي ينطلق من «منطقة المزة» وينتهي في «منطقة العباسيين» مثال جيد على ذلك، فهو يلخص كثيرًا من الوضع الدمشقي، فالتنوع السكاني داخل الباص حيث يجتمع داخله أناس من كل الطبقات الاجتماعية، والتنوع الجغرافي المدهش خارجه، حيث يمر بأكثر المناطق أرستقراطية وعناية وغنى مثل «أوتوستراد المزة» وبالأخرى الأكثر تهميشًا وفقرًا وفوضى مثل جسر الثورة و «كراج الست»، واللهجات المتعددة والملامح المختلفة والاختلافات الطبقية التي تراها فيه تجعلك تشعر أنه ليس مجرد حافلة نقل وإنما حركة حياة حقيقية.

في الأيام الماضية وصلت أزمة النقل والمواصلات إلى ذروة عالية لم تشهدها من قبل، دفعت كثيرًا من سائقي الحافلات إلى الإضراب عن العمل وذلك على خلفية القرار الذي أصدرته وزارة الداخلية وحماية المستهلك برفع أسعار الوقود، وزيادة سعر المازوت من 80 إلى 125 ليرة، مما جعل آلاف المواطنين يقفون على المواقف وفي الطرقات ينتظرون وسائط النقل، وآلافًا أخرى تضطر لتذهب مشيًا إلى البيت لمسافات طويلة كما حصل مع «ناديا» وهي موظفة في مكتبة الأسد.

ارتفعت تعرفة الركوب في الحافلات الصغيرة تبعًا لارتفاع الوقود من 25 ليرة إلى 35، أما في الكبيرة فقد ارتفعت من 35 إلى 40 ليرة سورية، وبالتزامن مع هذا الارتفاع قامت قوات النظام بمصادرة العشرات من الدراجات الهوائية والكهربائية من أصحابها تعسفيًا أحيانًا، كما حصل مع حسين، وهو طالب عمارة سنة ثالثة، وبسبب عدم ترخيصها أحيانًا أخرى،

يقول حسين لعنب بلدي: «لم يبق إلا أن يصادروا أحذيتنا»، أما عامر، وهو طالب طب، فقد حاول ساخرًا بعملية حسابية أن يستنتج أن المشي يكلفه أكثر من أجرة المواصلات فهو يتطلب شراء أحذية جديدة كل شهرين.

من جهته أبو راتب، وهو سائق «الدوار الجنوبي»، يرى أن ارتفاع الأسعار منطقي، فـ «الحرب على الجميع لا تستثني أحدًا وعلى الكل أن يدفع الضريبة» مضيفًا أن النظام فعل ما بوسعه ولكن ما العمل إذا كانت «جميع آبار النفط خارج سيطرة الحكومة، والحصار الاقتصادي يشتد».

بدوره نبيل، وهو سائق ميكروباص في دمشق، قال تعقيبًا على أن الحكومة تريد توحيد تعرفة وسائل النقل وتثبيتها: «يبدو أنها تريد أن توحد الجميع ضدها، وتثبت المعارضين على مواقفهم».

ورغم أن الناس شبه متفقين أن سائقي التكاسي يعملون كتجار للأزمة، لكن السائقين لديهم وجهة نظر مختلفة، فأبو أحمد، سائق تكسي في دمشق، يقول: «ليس صحيحًا أن سائق التكسي لا يشعر بالمواطن، بل العكس هو الصحيح، فالراكب لا يشعر بمعاناة السائق ولا يبالي بالساعات الطويلة التي قضاها في محطات الوقود بانتظار دوره ولا بالزحام الخانق».

تابعنا على تويتر


Top