عش قلقك.. ابدأ الحياة

.jpg

«دع القلق وابدأ الحياة»، «كيف تتخلص من الخوف»، « لا ألم بعد اليوم»، عبارات اعتدنا مشاهدتها كعناوين براقة لكتب تدرج تحت تصنيف الكتب الأكثر مبيعًا وانتشارًا، حيث أصبح التخلص من المشاعر، التي يطلقون عليها اسم «مشاعر سلبية»، هو دأب علوم النفس والإرشاد النفسي وعلوم التنمية البشرية.

تلك المشاعر الإنسانية العميقة كالألم، والخوف، والإحباط، والمعاناة، والقلق، والحيرة، والشك القاتل، والهم، والاحتراق.. أصبحت مشاعر غير مرحب بها و يجب التخلص منها بأقصى سرعة ونفيها من ساحة الشعور ورميها من الطابق العاشر، فلكي تكون إنسانًا طبيعيًا و»صحيحًا» عليك أن تحيا بلا قلق، بلا توتر، بلا تجاذبات..

لكن كما أن الألم الحسي الذي تشعر به في جسدك هو طريقة الجسد لتنبيهك وإنذارك أن خللًا ما يحدث في داخلك، لكي تفعل شيئًا.. فألم الأسنان يقودك إلى طبيب الأسنان وألم الاحتراق ينبهك لتبعد أصابعك عن اللهب، وفق آلية لحمايتك وإبقاء جسدك على قيد الحياة، فكذلك هو الألم الداخلي النفسي وسائر المشاعر الأخرى.

فالانفعالات السلبية التي تستولي على الجسد أو القلب ليست دومًا نفاياتٍ علينا أن نفكر كيف نتخلص منها لنرتاح من ألمها، وإنما تكون أحيانًا رسلًا إليك لتخبرك: أنت سماوي فاترك هذا، وأحيانًا تكون وقودًا يعينك لتكمل دربك، أو لافتة خطر لتغيره، وأحيانًا كثيرة تكون مصنعًا للعبقرية. والاكتفاء بتسكين الألم وإسكاته عبر تخدير الشعور به على طريقة «حبة البروفين» سيكلف الكثير.

فالخوف الذي يتملك الإنسان مثلًا، ليس متسولًا يتسلل إلى داخلك ليؤذيك بل قد يكون في كثير من الأحيان صديقًا يريدك أن تحرف مسارك أو تتخذ تدابيرَ لمنع خطر ما من الحصول، فالخوف هو شكل من أشكال التنبّؤ بالمستقبل، وبالتالي معرفة ما يجب عليك فعله. وكذلك القلق الوجودي العميق الذي يعترض خط حياتك ليهزك بأسئلته: «من أنت»، «إلى أين أنت ذاهب»، ومثلهما الضغط والحيرة والهم.

تلك المشاعر الإنسانية العميقة لا تعمل كمنبهات ورسل فقط، بل هي صلب وجودنا وجوهر تجربتنا البشرية، وتعاملنا معها بهذه السطحية لا يحرمنا خيرها فقط بل يحرمنا من جوهر تجربتنا الفردية، فالحياة الإنسانية طائر بجناحين لا يعملان إلا معًا، إن اختلت حركتهما أو انتُزع أحدهما سقط الطائر وفقد قدرته على التحليق وعاش كالدجاجة.

إن سلبتَ الإنسان أرقه وقلقه وغضبه وثورته وألمه وحزنه فأنت بالمقابل ستحرمه سلامه وفرحه ورضاه وأمله وطمأنينته، لأنهما جناحان لا يعملان إلا معًا، فالحياة يعني أن تجن وتحن وتئن، أن تندهش وترتعش، أن تعلو وتهبط، تقلق وتطمئن، تتعب وترتاح، ولا يجد أي من المعاني معناه إلا بنقيضه.

أما تلك النسخة الرديئة المدجّنة من الحياة التي تقدمها علوم التنمية ويسعى لها الإرشاد النفسي اليوم فهي نسخة لجعل البشر آلاتٍ أكثر إنتاجية، وأغزر فاعلية وأسرع أداء، من أجل سوق العمل والحياة التي يقودها جنون الاستهلاك، وكأن العمل هو الهدف، والغاية هي الانطلاق بأقصى سرعة، حتى لو كانت للذهاب إلى «لا مكان»، أما الإنسان فهم يريدون أن يجعلوه مشابهًا للآلة ويطورونه لكي يرى نفسه وهو يشبهها!

تلك العلوم التي تلهث خلف «الكيف»: كيف أرتدي الابتسامة، كيف تنجح بعشر خطوات، كيف تعيش مطمئنًا.. وتتجاهل «اللماذا» قد تمنحك النجاح الوظيفي والاستقرار وغيره، لكن طرقها المختصرة ستكلفك الكثير، وتحرمك ذوق ذلك المستوى العميق من الإنسانية الذي يليق بك وتسلبك شعلة النار والنور التي كنت ستقبض عليها لو تبعت أرقك وقلقك وقلبك.. وفتشت عنها.

تابعنا على تويتر


Top