لماذا الحرب على الإرهاب السني بالذات؟

محمد رشدي شربجي

في حزيران من العام الماضي (2014) سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الموصل وامتدت «دولته» من الفلوجة في وسط العراق إلى ريف حلب الشمالي، بعدها بأيام كان قد ظهر إلى النور تحالف دولي من أربعين دولة ليباشر، ودون اعتبار لفيتو روسي ولا سيادة وطنية مفترضة لنظام، حربًا جوية على التنظيم في سوريا والعراق. قبل ذلك كله وعلى مدى ثلاث سنوات كان نظام الأسد قد دك المدن السورية مخلفًا مئات آلاف القتلى مستخدمًا كافة أنواع الأسلحة، دون أن يعترض طريقه أحد.

مرة أخرى في سبتمبر من العام الماضي سيطرت جماعة الحوثي على صنعاء، وهي جماعة تردد شعار «الموت لأمريكا» أكثر مما تتنفس، وقد أكملت هذا الأسبوع سيطرتها على العاصمة واحتلت منزل الرئيس، وبعدها بساعات اجتمع مجلس الأمن ودعا للهدوء وأكد على الحل السلمي! هكذا فقط، بدون تحالف دولي ولا أربعين دولة واليمنيون يحزنون.

إن هذا التناقض الذي يبدو في السلوك الدولي تجاه الإرهاب «السني» فقط، هو ما يعزز نظرية المؤامرة التي يركن لها أنصار «الإرهاب السني» حين يريدون إثبات تآمر العالم ضدهم.

لا شك أن لدى السنة حركات ترتكب أفعالًا إرهابية، بشكل أدق فإن الجميع في هذه الأوطان «الرهيبة» قد أنتج ما يكفي من الإرهاب، فالشيعة والعلويون لديهم ما يكفي كذلك، وليس بعيدًا عنا، إذا استذكرنا الحرب الأهلية اللبنانية، الميليشيات المسيحية وما ارتكبته من فظائع، وعليه قس، فلماذا إذن الحرب تشن على الإرهاب السني بالذات؟

لكي نجيب على هذا السؤال الحساس، فإنه يلزمنا أن نسأل السؤال بطريقة أخرى، ما الفرق بين الحركات الإرهابية السنية والحركات الإرهابية عند باقي الطوائف؟ وعند إجابتنا على هذا السؤال فإننا نستطيع أن نفهم سبب إسراع المجتمع الدولي لمحاربة الإرهاب السني كلما ظهر على سطح الأرض.

يكمن الفرق الأساسي الأول الذي يميز الإرهاب السني في كونه ليس إرهابًا معقلنًا، فهو لا يعرف حدودًا سياسية ولا عقلية، ولا يعترف بالنظام الدولي بالكامل، هو يسعى لبناء نظام (دولي) من خلال إعلان حرب شاملة على دول العالم أجمع، ومن أجل ذلك فإن هذا الإرهاب يفعل على العلن ما يفعله غيره في السر، ومن أجل ذلك أيضًا فإنه ليس هنالك من دولة تتبناه وتهيمن عليه، هناك دول متهمة في دعمه أو تسهيل نشوئه بالتأكيد، ولكن ليس هنالك من دولة تملك زمامه وتسيطر على قرارته، على عكس إرهاب باقي الطوائف، الذي يمارس لأهداف سياسية، يمكن معرفتها بوضوح.

يبدأ الإرهاب السني أول ما يبدأ باستهداف المصالح الأمريكية، ثم يتبعها بالمصالح الأوروبية ولا يستثني أحدا حتى اليابان، يعلن بعدها بسعادة وفخر أنه يسعى للقضاء على الإيزيديين، ويخيّر بإعلان رسمي المسيحيين بين الإسلام أو دفع الجزية أو الرحيل، يدافع في قنواته الإعلامية الرسمية عن السبي وبيع النساء والأطفال في سوق النخاسة، عدا عن النشوة البالغة لعناصره حين تملأ صور الرؤوس المقطوفة صفحاتهم، والأهم من ذلك أنه ليس هنالك من دولة يمكن الرجوع إليها لإيقاف هذا الجنون.

على العكس منه فإننا نجد لدى الإرهاب الشيعي مثلًا أهدافًا سياسية واضحة، تتمثل بجلاء بتحقيق الأهداف الإيرانية في المنطقة، وبكل تأكيد فإن الإرهاب الشيعي ارتكب من الفظاعات الكثير، ولكنه أبقى ذلك ضمن سياق سياسي يمكن تشخيصه، وهكذا فإن المجتمع الدولي يعلم أن التفاهم مع الحوثيين في اليمن، والمالكي في العراق، وحزب الله في لبنان يتم من خلال التفاهم مع خامنئي في إيران، الأمر الذي يستحيل تطبيقه على حركات الإرهاب السني مثل القاعدة أو تنظيم الدولة.

ويكمن الفرق الأساسي الثاني في السنة أنفسهم، فقد شكلوا أغلبية في البلاد العربية، ومن الاستحالة على الأغلبية أن تكون كتل مصمتة وحيدة التمثيل كما هو الحال عند الأقليات، وعليه كان على حركات الإرهاب السني أن تبدأ إرهابها بالقضاء على القوى السنية المنافسة، بغية تطويع السنة واحتكار تمثيلهم.

وهكذا فإن هذه الحركات لم تقدم للسنة الحماية والدعم الذي قدمته حركات إرهاب الطوائف الأخرى لطوائفها، فلم نر حركة إرهاب شيعية تمارس إرهابًا بحق الشيعة، لم نرها تكفر شيعيًا تحت أي مسمى، ولم نسمع أن حزب الله تبنى تفجيرًا انتحاريًا في سوق شعبية شيعية ثم برر ذلك بفقه التمترس، ولم تلاحق هذه الحركات نساء الشيعة ليرتدوا النقاب، وغيره كثير مما رأيناه من ممارسات حركات الإرهاب السني ضد السنة أنفسهم.

كل هذا جعل السنة ضحية الإرهاب السني الأولى، عدا عن كونهم بالتأكيد ضحية لإرهاب باقي الطوائف، وهو ما دفعهم للاشتراك النشط والفعال في حرب ضد هذه الحركات وهو ما سهل مهمة محاربة هذه التنظيمات على المجتمع الدولي وعزز بدوره نظرية المؤامرة عند أنصار هذا الإرهاب.

إن المجتمع الدولي وهذا العالم القائم في كليته على المصالح، لا يهمه هوية الإرهابي سواء كان سنيًا أم شيعيًا أو مسيحيًا، ولكن ما يهمه أن هناك إرهابيًا تجرأ إرهابه أن يتجاوز أبناء جلدته ليصل إلى مصالح الرجل الأبيض مباشرة.

تابعنا على تويتر


Top