معشوقة «الشوام»، بين الوفاء للمدينة والنجاة بأرواحهم

Umayyad_Square_Damascus.jpg

شام العلي – دمشق

يقول «ابن عساكر» صاحب كتاب «تاريخ دمشق» إن دمشق بنيت على الكواكب السبعة وجُعل لها سبعة أبواب على كل باب صورة الكوكب، وعلى هذا فليس عجبًا أن الدمشقيين لا يعتبرون الشام مدينتهم ووطنهم فحسب، بل كونهم كله.

يتعامل كثير مع الناس مع المدن الجميلة كما يتسلّون مع الفتيات الجميلات، أو كما يتعاملون مع ربطات العنق، يستبدلونها حينما تفقد جمالها أو تبهت وتهترئ، لكن الدمشقيين الذين «يعبدون ربًا واحدًا» يحبّون مدينة واحدة، دمشقًا واحدة، وبهذا يفتخرون.

ورغم أن دمشق بدأت تشيخ منذ زمن وتغزوها الرداءة ويحتلها الاستبداد وتغمرها القاذورات، فمازال كثير من عشاقها متعلقين بأذيالها، يتعاملون معها كما يقف الأطفال أمام سرير أمهم عندما تمرض، وينتظرون بأمل وشغف أن تستعيد عافيتها، يتعالون على الحاضر الذي يحسبونه «طارئًا» وينتظرونه أن يمر، لتعود شامهم شامة الدنيا.

عشاق آخرون أدركوا أنه لا أمل من الانتظار، وعرفوا أنه بعد فترة أخرى لن يجدوا شيئًا من دمشق، فكل شيء سيندثر ويتحول إلى ذاكرة، ذاكرة مشوّهة في كل ملامحها، فسلموا أمرهم قائلين بحسرة: لكل أجلٍ كتاب، لا يوجد جمال يدوم للأبد.

وأمام هذا الحاضر المرّ الذي اتفق «الشوام» على مذاقه، لكنهم اختلفوا هل هو عابر و»سيمر» أم أنه عنوان المستقبل القادم، وجد سكان المدينة أنفسهم غارقين في دوامة حيرة لا تنتهي، على صعيد اختياراتهم الشخصية ومستقبل أيامهم. فهل ينتظرون عند أقدام دمشق لتصحو أم يقرؤون على قبرها الفاتحة ويضعون الزهور وينصرفون لحياتهم؟

ينقسم الدمشقيون اليوم إلى عدة أقسام، بعضهم أُجبر على الرحيل والهجرة كالشباب الذين تلاحقهم الخدمة العسكرية، أو أولئك المطلوبين، أو من فقد بيته وعمله، ولم يعد أمامه ترف الاختيار، وبعضٌ آخر وجد نفسه أمام جحيمين على شكل خيارين، نار دمشق أو قسوة الاغتراب عنها.

أبو عمر (يعرّف عن نفسه بأنه عاشق دمشقي) يقول «لقد فقدت دمشق هويتها واغتربت عنا وعن نفسها، اعتدت قبل سنوات أن أمشي في الشام ليلًا حين يهدأ صخب المدينة لكي أشاهد الوجه الحقيقي لدمشق الذي يختفي خلف ضوضاء وزحام النهار، لكن هذا أصبح مستحيلًا اليوم، من يجرؤ أن يخرج من بيته ليلًا في مثل هذا الوقت؟»، ويضيف «رغم أن وصال دمشق كان مؤلمًا لكنه أسهل من الفراق».

بقي أبو عمر متمسكًا بأرضه حتى سأل عنه مركز أمن الدولة وزارته المخابرات في محله في شارع النصر، فحمل ما معه وولى وجهه شطر تركيا.

أما «أبو غسان» صاحب شركة مرموقة في دمشق، فقد سفّر أولاده إلى «السويد» عند بداية الأزمة، وبقي ملازمًا لدمشق، لا يطيق فراقها، ورغم الخسائر الضخمة التي كبدها خيار البقاء في دمشق لشركته، إلا أنه يقول «لقد شربت من بردى وانتهى الأمر»، وكل من شرب من بردى يتذوق سر هذا الماء الذي يتحول في الذاكرة إلى مدينة وفي العروق إلى ياسمين.

لكن «أبو غسان» غادر الشام قبل شهرين إلى السويد ليلتقي بعائلته، قائلًا « لقد تجاوزت الأزمة عتبة عشقنا للشام، المنطقة برمتها اليوم على كف عفريت».

من جهتها «الآنسة هالة» وهي كاتبة وأديبة من دمشق، كان الياسمين دومًا مداد قلمها وسطورها، بقيت وفية للمدينة لا تفارقها رغم الضغوط الأدبية والفكرية ورغم خطر العيش في المدينة، لكن فاق الأمر القدرة البشرية على التحمل فذهبت إلى تركيا للبحث عن فرصة لحياة جديدة بعيدة عن فروع الأمن وخطر القذائف.

تقول هالة «دمشق التي تفتخر بوردها البلدي لم تعد تشبه دمشق، لقد تشوهت .. أنا أحب هذه المدينة حد الفناء ولكنها تنكرت لنفسها واستبدلت ياسمينها بالبارود، أنا أحب دمشق الطفولة التي تعشعش رائحة حاراتها في صدري، وسأحملها معي أينما ذهبت».

وتضيف «كل ما في دمشق يقاد إلى خراب جمعي كلّي، والابن رقيق القلب لا طاقة له على توديع أمه وهي تعاني رمال الموت إن كان يعرف عجزه».

أما أبو رامي، صاحب محل عطور في الحميدية، فقد قال غاضبًا «مخطئ من يظن أن الأزمة عمرها ثلاث سنوات أو أربع، فزحف الساحل للمدينة وعملية ترييف المدينة وتبدينها وتحديثها الذي هو أشبه بالعبث والتشويه لا التجديد ليس وليد سنوات، بل عقود»، ويضيف أبو حسن، صاحب محل سكاكر مشهور في البزورية، «دمشق لم تتنكر لا لتاريخها ولا لعراقتها، دمشق مازالت معشوقتنا نحن الشوام ومعشوقة جميع من زارها، لكن من تولى أمرها لا يريد لفتنتها أن تكتمل، إنه مليء بالحسد ولا يحتمل قلبه كل هذا الجمال، الدولة عانس ولا تحب إلا نفسها»، وبحزم يقول «دمشق ستعود ونحن سنبقى حراسًا لها».

تابعنا على تويتر


Top