انتقادات واسعة من قبل علماء الدين

«المساكنة» تدخل حياة الناشطين السوريين

Cohabitation222.jpg

جودي سلام

لجأ أكثر من 3 ملايين سوري إلى خارج البلاد وسط حالة من “الضياع” في الدول المجاورة، إثر الحرب الدائرة منذ أربع سنوات، ما أدى إلى تحطيم قيودٍ اجتماعية ودينية كانت تحكم الشباب في مجتمعاتهم الأصلية. ووسط غياب الرقابة من الأهل والمجتمع، برزت ظاهرة “المساكنة” بين بعض الشباب والفتيات المقيمين في كل من تركيا ولبنان.

المساكنة تعني أن يعيش الشاب مع الفتاة في مسكن واحد دون رابط شرعي، وذلك بصورة واضحة أمام الناس، ويقول عنها أصحابها إنها بهدف “التعرف على الآخر جيدًا قبل اتخاذ أي قرار بالارتباط، أو لحاجة الطرفين إلى بعضهم خلال فترة إقامتهم المؤقتة”.

وبدأت الظاهرة تنتشر عند بعض الناشطين من فئة الشباب في سلك “الثورة السورية” بمختلف الاختصاصات في مدينتي غازي عنتاب التركية، التي تنشط فيها المعارضة السورية، والعاصمة بيروت حيث يلجأ آلاف السوريين.

“حكرٌ على طبقات اجتماعية وتحررٌ من الاستغلال”

عنب بلدي قابلت عددًا من الشباب المقتنعين بفكرة المساكنة خلال تحرّيها عن الظاهرة، إذ تقول سهير، وهي تعيش في غازي عنتاب وتعمل مع إحدى المنظمات الأمريكية الداعمة، إن “المساكنة هي الحل الأفضل للشباب الناضجين”، مؤكدةً على كلمة “ناضجين”، لأن المسألة “حكرٌ على طبقات فكرية واجتماعية معينة”.

وتعلّل سهير الحاجة إلى المساكنة في هذا الوقت بالقول إن “الشباب يجدون أنفسهم اليوم في ظروف فوضوية وبحاجة لدعم مادي ومعنوي واستقرار عاطفي وجنسي، كما أن مستقبلهم مجهول تمامًا؛ لذا فهم يخافون من الارتباط الطويل”، مشيرةً إلى بعض الحالات لشباب “يرغبون بالزواج لكنهم لا يستطيعون تثبيته في البلدان المجاورة”.

وفضلت صديقتها «لمى»، التي تعمل في نفس المنظمة، “المساكنة” على كتاب الشيخ السرّي، الذي “لا يضمن الحقوق بل يستثمر الدين لاستغلال المرأة”، أما “المساكنة فهي علنية، وبالتالي احتمال الاستغلال فيها أقل بكثير”؛ وأردفت “في النهاية هو عرض قبول وإشهار ويمكن للمساكنة أن تحقق شروط الزواج أكثر من كتاب الشيخ”.

تبريرٌ “سخيف”

ولكن الدكتور كريم مأمون، الذي يعمل في لبنان، يعتبر ذلك “تبريرات سخيفة للشباب من أجل تفريغ شهواتهم دون التزامات أو مسؤوليات، بعيدًا عن لوم المجتمع والأهل”، ومن أجل هذا “ينتقدون كتاب الشيخ الإسلامي”.

وتعتبر “النيّة” أساس صحة كتاب الشيخ، فيجب أن ينوي الشاب والفتاة أن يكون زواجهما جديًا وغير محددٍ بمدة، كما يلتزم الشاب بمهر أمام الفتاة بحضور الشهود، حتى يكون الكتاب صحيحًا شرعيًا، كما يقول الدكتور.

ويضيف بأن “الأساس في عقد القران هو الإعلان وضرب الدفوف والإشهار، أما الزواج السري تكون حالاته نادرة ولظروف استثنائية، ورغم هذا يبقى الزواج السري الشرعي أفضل من المساكنة”.

أنور بدر الدين، المتعمق في التأصيل الشرعي للإسلام، قال “لا يشترط وجود شيخ لعقد القران في الإسلام، بل يكفي موافقة الشاب والفتاة وشاهدين، ولكن يشترط حضور النية الصادقة بهذا الزواج التي تعتبر الضمان الوحيد للفتاة ولاستمرار الحياة الزوجية دون خلافات أو استغلال”، ويردف الشيخ “طبعًا أصبح من الضروري تثبيت عقد القران الشفهي في المحاكم لضرورة تسجيل الأولاد والقوانين الجديدة التي تضمن حقوق الطرفين في المحاكم، لكن هذا لا يعني بأن عقد القران الشفهي باطل”.

وبالعودة إلى المدافعين عن الظاهرة، تتساءل إحدى الناشطات السوريات، التي تعيش في تركيا، (رفضت ذكر اسمها لأسباب شخصية) عن الفرق بين كتاب الشيخ والمساكنة في جزئية “موافقة الطرفين ووجود الشاهدين، طالما أن المساكنة تكون بموافقة الطرفين والناس كلهم شهود”.

الكتاب الشفهي “باطل شرعًا”

يرد الشيخ منصف زيتاني، المقيم في فرنسا، بأن “كتاب الشيخ الشفهي بات باطلًا شرعًا، لأن بعض الشباب يذهبون إلى أي إمام مسجد ويزوجهم دون أوراق ثبوتية، وهذا يسبب كوارث بعد فترة قصيرة”.

ولا يعتبر الكتاب باطلًا في البلاد الأوروبية فحسب، بل “حتى في البلاد الإسلامية أصبح غير معترفٍ به طالما لم يضمن العقد الحقوق والأنساب” كما يقول زيتاني، محملًا المسؤولية للمشايخ “الذين يسمحون بعقد القران الشفهي مما يجعل الشباب يستسهلون مسألة المساكنة”.

ويوافق الشيخ أحمد الأمين، أحد علماء الدين في طرابلس اللبنانية، على تحريم كتاب الشيخ الشفهي، كونه “لا يضمن أي حقوق ولا يلزم الطرفين بشكل جدي، خصوصًا أن شباب هذا الزمن غالبيتهم غير ملتزم بدينه… لذلك لا أقبل إلا بتثبيت العقد في المحكمة وبهذا يصبح الزواج شرعيًا”.

القانون في سوريا لا يجرّم المساكنة

من ناحية قانونية يعتبر القانون السوري، المأخوذ به في ظل حكم الأسد، المساكنة والزواج “خيارات شخصية” ولا تعتبر العلاقة الخاصة الاختيارية للبالغين العازبين “جريمة”، إلا أن الزواج يضمن حقوق الطرفين التي لا تضمنها المساكنة مثل المسكن والإنفاق، لكنه يلغي صعوبة انفكاك المرأة من الزواج في حال تعنت الزوج، وفق ليلى العودات، الناشطة في مجال حقوق الإنسان والقوانين الدولية.

وتعتبر العودات أنه “لا مانع بالمساكنة على اعتبارها خيارًا رضائيًا بين فردين بالغين كاملي الأهلية”، محاولةً توجيه الجهود “لمحاربة انتهاكات حقوق الإنسان التي تتم أحيانًا باسم العلاقات المقبولة اجتماعيًا كالزواج الإجباري وتزويج القاصرات والعنف المنزلي والاغتصاب الزوجي وتعنيف الأطفال… التي تنتهك إنسانية الضحايا وأسرهم وأطفالهم”.

لكن عددًا من الناشطين الحقوقيين والمشايخ يبدون اعتراضهم على القانون المعتمد في سوريا مطالبين بتعديله، ومشيرين إلى أنه ليس معتمدًا إطلاقًا في المناطق “المحررة”، وإنما يكون الاحتكام إلى “شرع الله”.

ويرى إبراهيم، وهو شاب لبناني مطلع على بعض الحالات، أن الظاهرة «انسلاخٌ عن قيم مجتمعاتنا المحافظة وتقليدٌ أعمىً للغرب، إذ تخرق أحكام العلاقة الزوجية والجنسية التي تضمن أخلاق العائلة والأطفال وتمنع من الانحدار الأخلاقي وتفكك الأسر الذي نراه في الغرب”. ويشير إلى أن القانون السوري مستمدٌ أصلًا من قوانين غربية لا تراعي خصوصية الأديان التي تحرّم جميعها الظاهرة ولا تسمح بها.

ولم تكن الظاهرة معروفة أو متداولة للعلن في سوريا قبل عام 2006، حين نشرت صحيفة الثورة الرسمية لقاءات مع شباب يعيشون المساكنة، مشيرةً إلى أنهم “لا ينتظرون إقرارًا من المجتمع لأنهم يعرفون أنه يرفضهم لاعتبارات متعددة”.

وتغيب الإحصائيات الرسمية أو الحقوقية عن عدد الشباب والفتيات الذين يقطنون سويًا بدون عقد شرعي منذ ذلك العام، كون الظاهرة لم تكن معلنةً إلا في حالات نادرة، كما يصعب حصرها اليوم في ظل النزوح المركب والجماعي لأعداد كبيرة من السوريين؛ ما ينبّه مراكز الدراسات حول ضرورة العمل على رصد حالات اجتماعية طارئة تساهم في تغيير بنية المجتمع السوري.

تأصيل الظاهرة نفسيًا

إلى ذلك، يفسر عمر سيد يوسف، الأخصائي النفسي، انتشار ظاهرة المساكنة في هذا الوقت تحديدًا، إذ “تتكشف في الحروب عادةً عيوب المجتمعات وعيوب النفس الإنسانية على مستوى الفرد الواحد”.

وتنتج الأزمات والحروب آثارًا وتغييرات تحتاج لآليات تكيّف مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبلها؛ وهنا يجد المرء نفسه ضعيفًا أو ضائعًا، وخاصة أن الموت صار قريبًا جدًا، فيفقد السيطرة والتحكم بحياته التي تجعله يشعر بأهمية وجوده وقدرته على التأثير”.

وتحتاج الآلام الناتجة عن الحرب قدرة عالية للتعامل معها وإدارتها، كما أن الإنسان بطبعه يسعى للراحة من خلال المتع المتعددة بغض النظر عن مشروعيتها، لذلك يسعى بعض الناس للتعامل مع الألم من خلال المزيد من المتع الجسمية كالطعام والشراب والجنس.

في الحرب “يكون الموت أكبر مصادر الألم، ويعتبر الجنس المصدر الأشد قوة للحياة، من خلال عيش اللحظة الراهنة مع متعة ونشوة تجعل المرء ينفصل عن الواقع المؤلم كليًا، حتى ولو لثوان” وفق تعبير سيد يوسف.

ويرى عددٌ من الشباب المحافظين دينيًا أنه يجب البحث حول أسباب لجوء الشباب للظاهرة “دون التصفيق لهم أو كيل الاتهامات” كما يقول محمد، الذي يسكن في بيروت، مطالبًا بـ “دراسات اجتماعية حقيقية تبتعد عن تغطية رأسنا في الرمل وإنكار المشاكل في المجتمع بسبب قصور أدواتنا الاجتماعية والدينية للإجابة عليها”.

قلة من الناس لديهم القدرة على التعامل مع الألم وإدارته مع الحفاظ على قيمهم ومبادئهم والابتعاد عن الملذات التي تؤذيهم مع الوقت لاجئين لما يتوافق مع مبادئهم في الحياة، كما يقول سيد يوسف، مشيرًا إلى أن نقطة المسؤوليات والالتزامات “تأتي في هذا الإطار تحت حجج غير واعية متنوعة”؛ فهل يستطيع المجتمع السوري بوعيه تخطي المشاكل التي أنتجتها الحرب على كل الأصعدة؟

تابعنا على تويتر


Top