الثورة والعدالة (1)

3esh.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 26 – الأحد – 29-7-2012

 عماد العبار

  يعتبر تحقيق العدالة هاجسًا شغل الإنسان عبر العصور، كما أنه أحد أهم أسباب الثورات الكبرى التي شهدتها المجتمعات الإنسانية. فغياب العدالة وسيادة الاستبداد لفتراتٍ طويلةٍ، كثيرًا ما كان سببًا لهلاك أنظمة الحكم (إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ).

إن الثورة حالةُ انفجارٍ اجتماعي سببه عجز السلطة الحاكمة عن تأمين العدالة النسبية لشرائح المجتمع المختلفة. أي أن الثورة هي عمليةُ بحثٍ عن العدالة بالدرجة الأولى، وبالتالي لابد وأن تكون لهذه العدالة القيمةُ الكبرى في أدبيات أية ثورةٍ وفي مراحلها المختلفة.

لابد أن يبدأ الحديث عن العدالة في المرحلة الانتقالية في سوريا وهي مرحلة ما بعد سقوط النظام وحدوث التغيير المنتظر منذ الآن، وهو حديثٌ قد يعتبره البعض مبكرًا، إلا أنه ضروريٌ في هذه المرحلة. فالمرحلة الانتقالية لن تكون مفصولةً عن سياق التطور الاجتماعي والتاريخي الذي حصل في المرحلة التي قبلها، أي مرحلة الثورة، بل ستكون عمليًا مرحلةً مكمّلةً لمرحلة الصراع الحالي، وستحمل نتائجه شئنا أم أبينا.

إن فهم مسألة ارتباط المرحلة الحالية (الثورة) بالمرحلة الانتقالية (مابعد السقوط)، وفهم مركزية قيمة العدالة في هيكل الثورة، يجعلنا نُعيد النظر في مجمل المرحلة الحالية للعمل على تأسيس بنيانٍ أكثرَ تقبلًا لفكرة العدالة لاحقًا، بمعنى أن نشدّد على قيمة العدالة في المرحلة الحالية، وأن نذكّر بأن الثورة لم تقم أساسًا إلا لغياب العدالة، وهذا ما يمنعنا من التفكير بإمكانية تجاوز هذه العدالة من خلال بعض الممارسات الثورية، أو تمريرها تحت مبررات مختلفة، وهذا ما سيدفعنا للتفكير في أن تضاؤل أهمية قيمة العدالة بشكلٍ تدريجي خلال المراحل الأولى من عمر الثورة يعتبر مؤشرًا خطيرًا، وإن كان سببه مفهومًا مع ارتفاع منسوب القمع العنف المتبع من قبل النظام وتصاعد وتيرة رد الفعل غير المضبوط، إلا أنه يعكس انحراف الثورة عن خطها، وخطورة ذلك ستكون تراكميةً وستظهر بشكلٍ أكثر شدةً في المرحلة القادمة. وبقدر ما يتضاءل الاهتمام بالعدالة في فكر الثورة حاليًا، بقدر ما يصبح طريقها شاقًا ومتعِبًا فيما بعد.

حين نقول بأن على الثائر أن يُجسّد العدل (النسبي) في فكره وسلوكه، فإن هذا الطلب ليس خارج منحى الثورة، وهو ليس طلبًا طوباويًا بطبيعة الحال، إلا إذا اعتبرنا أن الثورة هي بحد ذاتها حالةٌ طوباويةٌ، فالثائر الذي يخرج حاملًا روحه على كفّه، مسلحًا كان أم مدنيًا، فإنه يكون قد وضع نفسه ضمن منحى أخلاقي محددٍ، له أحكامه التي لا تخلو من مثالية.

إن خروج الإنسان على الظلم يقتضي أن يعيش حالة العدل بينه وبين الآخرين. فلا يمكن أن نثور على نظامٍ أمني يقوم باعتقال الناس أو اختطافهم وتغييبهم في السجون، أو تنفيذ أحكام إعدامٍ بحقهم دون محاكمةٍ عادلة، حتى وإن كان مجرمًا، ثم نقبل أن يقوم الثوار بمثل هذه الأفعال. لا يمكن أن نرفض وسائل التعذيب والمهانة التي يتعرض لها الإنسان في أقبية المخابرات، ثم نقبل أن يتم إنشاء أقبيةٍ مماثلةٍ تنسب لثوارٍ يقومون فيها بتكرار نفس الانتهاكات. إن العدالة تتطلب إيمانًا داخليًا بها كقيمةٍ عليا، وأي تستّرٍ على الانتهاكات يمثل خيانةٍ للثورة.

إن الحديث عن العدالة يجب أن لا يعتبر حديثًا طوباويًا حتى في أشد لحظات الثورة، لأنه حديثٌ في صلب كيانها، والتهاون فيه هو تفريط بالثورة بشكلٍ أو بآخر، وهو ما سيُدخِل مستقبل المجتمع في المجهول.

تابعنا على تويتر


Top