نال المجد من أطرافه… الشهيد مصطفى الحو

20.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 27 – الأحد – 5-8-2012 

صبيحة السادس والعشرين من شهر تموز 2012م، استيقظت داريا على صوت قذيفة هاون، وقد انفجرت ببيت أحدهم، فأسمع صوتُها حتى من به صمم. ولكن هول المصاب لم يكن صوتها فحسب، بل الشهيد الذي أعلنت نهاية حياته.

«يارب… كن عونًا لأهله… ألهمهم مددًا من عندك… وأنزل السكينة على قلوبهم، إذ لم يعودوا يعون ما يجري حولهم، يارب احتسبه عندك شهيدًا ووالدَه». هكذا كان حال أهالي داريا يومها، إذ لم ينطق لسان حالهم إلا بالدعاء لذوي الشهيد. فالشهيد هذه المرة مصطفى الحو، الذي اصطفاه الله فابتلاه وزاد عليه البلاء ليرفع من مقامه. مصطفى شابٌ من داريا اعتقلته مخابرات النظام لما يقرب من السنة وبعد أيام من الإفراج عنه وقبل أن يكمل أسبوعه الأول خارج المعتقل سقطت قذيفة هاون قرب منزلهم أودت بوالده شهيدًا في 6 تموز2012م. وبعد ذلك بفترة ليست بالطويلة تسقط القذيفة هذه المرة في منزل الشهيد، لتسمو به وبروحه إلى حيث ارتقى والده، فإذا بالشهيد مصطفى ينال المجد من أطرافه، معتقل وابن شهيد ومن ثم شهيد.

وأمسك القلم… وأحاول جهدي الكتابة عن شهيدنا، فلا أستطيع!! ليس عيًّا… إذ أن البليغ ليعيا في تعداد مناقبه. حاولت أن أتحدث عنه، ولكن أظن أن رغبته في إخفاء نفسه وعمله لا تزال تسيطر على قريحتي، فإذا بي أجدني أطلب المساعدة والعون من صديقه، فلربما يضيف مدادًا من حبره إلى دواتي، علّ قلمي يثمر كَلِمًا يضاهي منزلة الشهيد رفعة. وإذا بصديقه اليوم لا عزٌّ ولا فرحٌ، ولا رفيق من الأحزان يؤويه، قعيدُ همٍّ، في ذرف دمع عن الأبصار يخفيه. فقد كان الشهيد ملجأه في كل نائبة، واليوم أضحى وحيدًا، قلبه كَسِرٌ من الهموم ودمع العين يرويه، وإذا بصوته يصارع دمعه، فتهز كلماته وتر قلمي ليشدوا معًا:

«مصطفى… عمل في محل بيع جوالات، فكان كل هاجسه كيف يُجري اتصالًا مع ربه، وكيف يُبقي هذا الاتصال متاحًا لإخوته من بعده، فاختار الحرية أولًا، ووقف بوجهه الملائكي أمام آلة الغدر التي اعتقلته ظنًا منها أنها ستوقف المكالمة، فإذا بالصوت الرباني يفاجئ الجميع: إني اخترتك يا مصطفى لتكون ووالدَك إلى جواري، لتنالا ما لم تنالاه في دنيا الغدر والظلم، فأنا الواحد القهار، وعندي ستكونان في عز واقتدار. وكان لمصطفى ما أراد، إذ كثيرًا ما ردد على مسامعي: أريد أن أكتب لكل من نسيه الحصار، سأكتب رسالة إلى التاريخ لينفض عنه الغبار، وسأكتب إلى بلدي الغالي، وتاريخي المزهر، وإلى كل مشكّك ومزوّر، وهاقد كان له ما أراد، وكتب لا بحبر قلمه، بل بمداد دمه الذي ما زال يقطر حتى الآن طيبًا وعطرًا».

في تلك الزاوية من البيت المدمّر ترْكن الأم المسكينة، التي لم تعد تدري أتبكي زوجها، أم ترثي ابنها، أم تضم زوجة مصطفى وتأخذها بحضنها، لتشتم رائحة ولدها بها، أو ربما عليها أولًا أن تلملم ما بقي من ذكريات لها في هذي الدار جمعتها مع زوجها وابنها.

وتقول: «لم تكتمل فرحتي بقرّة عيني مصطفى، فقد أنجبته بعد طول انتظار، ثم طال انتظاري لأحتضن أولاده، ولكن لم يشأ المولى لي ذلك، وانتظرته عامًا في السجن، ثم قدّر له أن يكون عمود بيتي بعد والده، فإذا بالعمود يهوي، ويخرّ معه سقف بيتي كاملًا، فأرجوكم أسعفوني بكلماتٍ أتضرع بها للمولى أن يحتسب زوجي وابني مع الشهداء في عليين، وأن يُبدلهما دارًا خيرًا من داري هذه».

فأجب اللهم دعاءها .. ودعاء كل أم ترثي ابنها..

وأرجوك يا أمي: لا تبكيه فاليوم بدأ حياتَه (هل هي بِدء حياتِه)؟؟؟…. إن الشهيد يعيش (ليولد) يوم مماته…

تابعنا على تويتر


Top