لماذا لا يمكن للثورات أن تغير الشعوب

-الشعوب-في-الثورة.jpg

يرجع التنظير الأول في أسباب ومعوقات النهضة إلى المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي قسم الحياة في دواخلنا ومن حولنا إلى 3 عوالم: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء؛ ورأى أن الخلل إنما يبدأ في عالم الأفكار وسرعان ما ينتقل إلى الأشخاص في سلوكهم وحياتهم، ومن ثم أخيرًا إلى أشيائهم وممتلكاتهم، ومجمل حياتهم المادية، وبالعكس فإن الخراب البادي اليوم على الصعيد المادي إنما يعبر عن خللٍ في الأشخاص، وتحديدًا بالأفكار التي تحكم عقولهم.

من هنا كان الحديث عن عالم الأفكار، ومحاولة كشف الأخطاء التي تعيقه، مدخلًا وحيدًا للنهضة، ومن هذه الأخطاء الخلط الحاصل عادةً بين مفاهيم: الثورة، التربية، والقانون ودور كل واحد منها على الحياة والمجتمع؛ خلطٌ يؤدي إلى انتظار نتيجة قد لا تأتي من ورقة رابحة وضعت في غير موضعها، كالتعويل على حراك ثوري في تحسين السمات الأخلاقية لأي شعب.

فالثورة سياسية الطابع، يمكنها أن تغيّر نظام حكم سائد، أو تطيح بمستبد ما، أو تستعيد أرضًا مغتصبة، وقد تنجح الثورة في أي من ذلك وقد يجافيها النجاح لعوامل مختلفة، لكنها لن تنجح قط في تغيير الصفات الأخلاقية أو الفكرية في أي مجتمع، بل لا دخل لها بذلك بتاتًا، مهما اتجهت أمانينا خلافًا لذلك، فللأفكار والمفاهيم قوانين ذاتية تحكمها وتسير شؤونها لا تخضع لأهوائنا ورغباتنا.

أما لتغيير المجتمع فنحن بحاجة إلى أدوات خاصة لذلك، وتأتي التربية على رأسها، والتي تحمل إمكانية بناء مجتمع جديد بمقومات أفضل من سابقه بالاعتماد على تغييرات تراكمية في الأجيال المتعاقبة، تهدف إلى بناء الإنسان السوي القادر على الخلق أو الإنتاج، بينما لا تعني التربية في مجتمعاتنا شيئًا أكثر من أدلجة الفرد فكريًا، وفق انتماءات دينية أو مذهبية أو حزبية… إلخ.

ورغم إمكانية التربية على إنشاء مجتمع منشود، إلا أنها لن تتمكن بحال من الأحوال أن تصلح مجتمعًا موجودًا نشأ على خصال معينة اعتادها ومشى عليها، فالتربية على الصعيد الإنساني تكون لطفل لمّا تتكون المفاهيم والسلوكيات لديه بعد، ولازالت صفحته بيضاء فارغة، لا لبالغ صنعت فيه التجارب ما صنعت، لذا كان بالإمكان مثلًا أن نربي طفلًا في السابعة من عمره على أهمية النظام واحترام الدور بدافع ذاتي داخلي، لكنك لن تربي على النظام من اعتاد الفوضى والتدافع والمحسوبيات لعقود من حياته.

وهنا يأتي دور سلطة القانون في ضبط مجتمع كامل بغض النظر عن العمر أو التربية، فكاميرات المراقبة والعقوبة الرادعة ستكون نتيجتها أجدى من حملات التوعية وسلاسل المحاضرات عن الحضارة والنظام، وعلى هذا يقول أحد العلماء «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، أي أن لسلطة القانون دورًا أكبر في إحقاق الحق من سلطة الضمير (ممثلًا هنا بالنص).

إن أكثر ما تبتلى به المنظمات المدنية الفاعلة على الأرض، عدم امتلاك خارطة مفاهيمية واضحة المعالم، تعي الحاجة التي تسعى لتلبيتها، والأسلوب الأنسب الواجب اتباعه لتحقيق ذلك.

تابعنا على تويتر


Top