الأيتام

محمد رشدي شربجي

في الأسبوع الماضي أقدم أمريكي ملحد على قتل ثلاثة طلاب مسلمين في الولايات المتحدة، طالب سوري من إدلب وزوجته وأختها من فلسطين.

وكان تعاطي الإعلام مع الحادثة شديد السخف، بل لقد ذهب الإعلام الأمريكي وباستخفاف كبير بمشاعر ذوي الضحايا إلى أن الجريمة كانت بسبب الخلاف على كراج السيارات الخاص بالبيت، وناقشت عدة لقاءات حوارية إمكانية ذلك وحللته وبدأت بتشخيصه على أنه ظاهرة جديدة في الطب النفسي .. إلخ.

والحقيقة أن هذه الحادثة لا تكشف تحيز الإعلام الأمريكي والعالمي -وهو كذلك بالتأكيد- ولكنها تكشف إلى حدٍ ما طريقة تعاطي هذا الإعلام مع المسلمين.

فحين يرتكب أمريكي «مختل» (ولا شك أن كل من يرتكب جريمة هو مختل) جريمة فإن التعامل معه يتم باعتباره حالة فردية لا تحتاج إلى تعميم، ولا يشعر أحد أنه معني باعتذار لأحد.

يتم نقاش هذه الحالة نقاشًا علميًا، ويشارك في جلسة النقاش هذه طبيب نفسي تكون له الحصة الأكبر من الكلام عن دوافع العنف وطرق معالجته، وخبير إعلامي يتكلم باقتضاب إن كان هناك أثر للإعلام في توجيه هذا الأمريكي المختل نحو العنف.

فقط المسلم فإنه يمثل المسلمين جميعًا من داكار إلى جاكرتا، ولأنه يمثلهم جميعًا فإن على كل واحد من هؤلاء المسلمين الذين يشكلون ربع العالم أن يشعر بالخجل والعار لأن هناك مجنونًا يعيش بين سوريا والعراق.

والمسلم عنفه أعمى مجردٌ عن أي سبب، فهو يمارس العنف حبًا به، يعشق العنف، يعيش بالعنف، مأكله العنف ومشربه العنف، ليس لعنفه سبب غير أنه بـ «جوهره» يميل له، لديه نصوص دينية تدعوه للعنف وتحضه عليه ولولا هذه النصوص ما كان ليرتكب هذه المجازر؛ ثم إن المسلم لا يمارس العنف، إنه يمارس الإرهاب… بينما الأمريكي «المختل» فقط يمارس العنف.

وبالتأكيد فإنني لا أدعو لإطلاق تعميمات على الأمريكيين من النمط الذي يطلقها الإعلام على المسلمين، ولكن ما أدعو إليه هو العكس تمامًا، وهي ضرورة التعامل مع كل فرد بصفته فردًا، واعتبار المسلم مثل أي كائن بشري، كائن معقد متعدد الأبعاد، وتؤثر به جملة من العوامل (مثل أي كائن آخر) الاجتماعية والسياسية والجغرافية والدينية بالتأكيد.

ولا شك بالنسبة لي أن هناك مجموعات من المسلمين تمارس الإرهاب فعلًا، وقد تكون هذه المجموعات استندت في تبرير إرهابها على نصوص دينية قابلة للتأويل، ولا شك أيضًا أن هناك ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإعمال الفكر والحوار النقدي في مجمل ما وصلنا من تراث وتعريته من شوائب التاريخ وتدخلات السياسة عبرالحقبات المختلفة، أو حتى إعادة فهم وقراءة مجمل النصوص الدينية وفقًا لروح العصر ومدى تقدمه.

ولكن تحليل العنف عند جماعة ما بالاعتماد فقط على النصوص لا يكفي، فالنص الديني حمّال أوجه وفهمه متأثر بشكل مباشر بالظروف المحيطة بقارئه، وإلا فكيف نستطيع تفسير أن هناك ملايين المسلمين المصريين خرجوا على الساحات ضد حسني مبارك مع أن هناك نصًا دينيًا يدعو لطاعة الحاكم؟ ما الذي جعل هذه الملايين تنحي جانبًا نصًا دينيًا يدعو إلى طاعة الحاكم وتقتنع بنص ديني آخر يدعو إلى الثورة عليه؟

ولا يقتصر هذا التعاطي مع المسلمين باعتبارهم ربوتوتات تحركها النصوص فقط على الإعلام الغربي، بل تكاثرت في الآونة الأخيرة تحليلات المثقفين والمحللين العرب والمسلمين التي تقتنع بمثل هذا الرأي في التحليل؛ ويا للعجب.. فإن هناك من اعتبر دعوة السيسي «المجرم العنيف» إلى إحداث ثورة دينية في الإسلام حدثًا مهمًا ويجب التعويل عليه.

المسلمون أيتام لا بواكي لهم، يقتلهم الاستبداد ثم يقتلهم الإرهاب الذي ولده الاستبداد، ثم الحرب على الإرهاب، ثم طاردهم إلى نورث كارولينا؛ وفوق كل هذا (وليس بسببه) يتم اعتبارهم أصل العنف في العالم بما فيه العنف ذاته الذي قتلهم.

تابعنا على تويتر


Top