العـــزلــــة وتصحيح المسار «من وحي رمضان»

271.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 28 – الأحد – 12-8-2012


   عتيق – حُمص

ها هي العشر الأواخر من رمضان أقبلت علينا، كما في كل عامٍ، وهي تطلب من المسلمين الاستعداد لها، بالتفرغ عن مشاغل الدنيا، وإعطاء وقت للنفس البشرية أن تختلي مع نفسها، في عزلةٍ كان صلى الله عليه وسلم، يجعلها اعتكافًا كاملًا.
تُمثِل العشر الأواخر من رمضان حلقة أخرى، من الفسحات الزمنية التي يخصصها ديننا للإعتزال بغرض التفكّر والتأمّل. ففي اليوم والليلة، يمثّل وقت السحر، وقت الخلوة في حياة المسلم، وفي الأسبوع هناك يوم الجمعة، وفي الشهر الأيام البيض، وفي السنة شهر رمضان، وتحديدًا العشر الأواخر.
هذه الفسحات الزمنية التي نفهمها عادةً على أنها تفرّغ للعبادة أي للقيام والصيام والذكر، هي الأنسب كذلك لعبادة مُغفَلة تمامًا عن أجندتنا الدينية، أقصد عبادة الخلوة بغرض التفكّر.

لم تشرع الصلاة إلا في السنة العاشرة من البعثة، مع ذلك كانت آيات قيام الليل في السحر من أوائل ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم، ويوم الجمعة هو يوم مراجعة الأسبوع والنظر في القادم من الأيام، إنه ذلك اليوم الذي يفصل آخر الأسبوع (الخميس) عن أوله (السبت)، كفاصل زمني لتقليب النظر في الأمور، ففي بعض الآثار أن صلاتنا تعرض عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وهذا تنبيه منه صلى الله عليه وسلم أن نعرض أعمالنا على أنفسنا في هذا اليوم، وأن نقيسها بالمقياس النبوي، مقياس الحكمة والسنة النبوية. وفي السنة شهر رمضان، يخفف الصوم من ثقل المعدة على العقل، ويصقل الروح، لتنطلق مستبصرة في نفسها وما حولها، ولا سيما في العشر الأواخر { كان صلى الله عليه وسلم إذا أتى العشر الأخير شد المئزر واعتكف في المسجد} وهذا الاعتكاف هو التجرد من الواقع وضغطه، والانفكاك منه للتخلص من تأثيره المباشر، وإعطاء وقت للنفس، للتفكير في ماقامت به خلال عامٍ كامل، فتقيّم وتحدّد الصواب والخطأ، ولا سيما في الفكر والمنهج، حتى تنطلق إلى عامٍ آخر يضبطه تقييم رشيد لما كان.
وهذا حقيقة ما نحتاج إليه في ثورتنا المباركة اليوم،  بعد قرابة عامٍ ونصف على إنطلاقتها، نحتاج إلى شيءٍ من التفكير الهادئ العقلاني، المبتعد عن ضغط يوميات الثورة وتفاصيلها الدقيقة، نحتاج إلى وقت ننعزل فيه عن كل شيء، ونقبل بالتفكير والتأمل على ماكان وكيف كان، وكيف يجب أن يكون. أن نعود لنطرح على أنفسنا كل الأسئلة التي سبق وأن طرحناها، وأن نعيد التفكير فيما وصلنا إليه من أجوبة، حتى نخرج بتصحيح للأخطاء، وثبات على المواقف الصائبة، بحيث نكون مطمئنين إلى المسار الذي نمشي به، أنه يفضي إلى مانريد، وبالشكل الذي نريد.

وتشكل الخلوة بغرض التفكير، لأجل إطلاق مشاريع التغيير الكبرى، أو تصويب مسارها، نقطةً بارزة في التاريخ، فقبل أن يُبعَث بالوحي، حُبّب لمعلمنا عليه الصلاة والسلام الخلوة في الغار، متأملًا متفكرًا، في الكون والإنسان، المجتمع وكيف السبيل إلى تغييره.
وكذا المفكّر والأديب والداعية، إنّه يعيش بين الناس ويعرف أفكارهم ومعاناتهم ويتألم لها، ثم يعتزلهم ليفكر ويتأمل في الحلول والأفكار الجديدة للإنقاذ. والأمثلة حقيقةً أكثر من أن تذكر، ومن يبحث عن سير حياة الأعلام يجدها مليئة دومًا بهذه الفترات.
كنت أتجول في اليوتيوب عندما رأيت حديثا للشيخ سلمان العودة عن التغيير، فذكر فيه اعتزاله الناس والاختلاط خمس سنوات كاملة، صقل منهجه، وأعاد التفكير في المسائل كلها، وتخلص من ضغط المجموع وسلطانه.
نحتاج دومًا على الصعيد الشخصي أو الجماعي لشيءٍ من ذلك .. فلنغتنم رمضان وعَشره الأخير.

تابعنا على تويتر


Top