الاختلاف … واقع فرض نفسه في الثورة السورية – الثورة وفتح أبواب الرأي والرأي الآخر

171.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 28 – الأحد – 12-8-2012


لم يعد النقاش الفكري اليوم حكرًا على الروّاد أو النخبة من المثقفين، فتطور وسائل الاتصال خلق فضاءً مفتوحًا دفعتنا الثورة لأن نختبر معه حريتنا في التعبير، لنجد أنفسنا أحيانًا وجهًا لوجه مع أفكار ووجهات نظر تغاير ما اعتدنا عليه في حالة العزلة التي كنا نعيشها سابقًا.
فنظامٌ سياسي قائمٌ على رأي واحدٍ وتخوين من خالفه، ونظام تربوي أسري قائم على تقديس العادات والتقاليد، ونظام تعليمي قائم على التلقين، ونظام ديني قائم على التقديس والولاء لرجل الدين والتسليم بآرائه وتسفيه الاجتهادات المخالفة… كل ذلك كفيل بخلق قوالبَ فكرية جامدة غير مستعدة للمبادرة بمراجعة محتواها أو الانفتاح على الفكر الآخر والاستفادة منه، بل خلقت تلك القوالب الفكرية أحيانًا نوعًا من الهوية الفردية المميزة يجد البعض في فرضها على الآخرين نوعًا من إثبات الوجود.
الاختلاف سنة كونية
من آيات الله في الكون الاختلاف، وقد سخره الله لما يتوافق مع مناط التكليف لدى الإنسان وهو العقل، فدعا القرآنُ إلى تأمل ودراسة الظواهر الكونية والبشرية بتنوعها ومآلاتها للوصول إلى الإيمان «ومن آياته خلقُ السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين» [الروم:22]، ولو كانت تلك الظواهر ثابتة وواحدة لكانت حياة الإنسان مملة، ولكان من الأولى إلغاء مناط التكليف (العقل)، فتنوع الصور والأحداث وعبر التاريخ وأحوال الأمم والشعوب والأفكار كل ذلك يساعد على توسيع مدارك الإنسان وتهيئه لقبول الحقائق والوصول إليها.
فالاختلاف الفكري سنة كونية لا يمكن إلغاؤها «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» [هود: 118]، لذلك وجب أن نعيد صياغة أنماط تفكيرنا وسلوكنا مع ظاهرة الاختلاف وطرق تعاملنا مع الرأي الآخر.
يمكن ذكر بعض النقاط المتعلقة بأدب الاختلاف كالتالي:
• الاختلاف بين الفُرقة والتعارف:
أصل العلاقة بين الناس هو التعارف والتعايش المتبادل «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات:13]. فانتشار الإسلام في دول شرق آسيا ما كان إلا نتيجة للاحتكاك الاجتماعي للتجار المسلمين مع أهالي تلك المناطق أثناء تواجدهم فيها، لما رأوه من أخلاق المسلمين التي استمدوها من تعاليم دينهم.
والتعارف يفضي إلى تبادل الخبرات وإثراءها والإطلاع على ما لدى الآخرين من خيرٍ للاستفادة منه، قال رسول الله (ص) «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها»، فلم تحرم الاختلافات العقائدية للمسلمين مع باقي الحضارات من الإطلاع على مؤلفاتها والنقل منها فظهرت حركة الترجمة التي كان لها الدور الأكبر في ازدهار الحضارة الإسلامية.
فالتنويع الثقافي كالإطلاع على كتب ومؤلفات الآخر، والاحتكاك الاجتماعي بدل اتخاذ الاختلاف ذريعة للتفرقة، من أهم العوامل التي تساعد على إثراء الفكر، والتعرف على وجهة نظر الآخر بصورة أوضح، والوصول إلى نقاط التقاء مع الطرف الآخر تكون منطلقًا لحواراتنا معه.
• الاختلاف والتعاون مع الآخر:
الاستعداد لقبول التعاون مع الآخر ما دام ذلك التعاون لدرء المفاسد وجلب المصالح كرفع الظلم وتعزيز الحرية والعدالة والمساوة. فعلينا ألا ندع الاختلاف الفكري حجةً لهدم أعمال الآخرين وإحباطها، بل على العكس علينا الاشتراك معهم في العمل فيكون تعاوننا بابًا لإثراء المشروع القائم وتصحيح مساره وتوجيهه لما يجلب المنفعة والخير للمستفيدين. وقد أبدى رسول الله (ص) استعداده لحضور أي حلف مشابه لحلف الفضول حتى بعد الإسلام، علمًا أن حلف الفضول قام به مشركو قريش قبل الإسلام واتفقوا فيه على نصرة المظلوم في مكة حتى تعاد مظلمته، فقال رسول الله (ص) «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت».
• إحسان الظن بالآخر:
أفكارنا تتكون نتيجة مؤثرات -غالبًا- خارجة عن تحكم الإنسان (الأسرة، المدرسة، الحي، الخبرات الخاصة بالشخص، .. إلخ)، فالتنشئة على نسق معينٍ من القيم والعادات والمعلومات ووصولها أحيانًا إلى درجة المقدسات والثوابت يدفع البعض إلى افتراض اشتراك الجميع بتلك الثوابت والتشكيك بمن خالفها، فيجدون أنفسهم في حرب تشهير هدفها تشويه صورة الآخر دون مراجعة لما جاء به من فكر جديد، ودون أن نضع أنفسنا مكان الآخر ومحاولة فهم العوامل التي صاغت تلك وجهة النظر.
يقول الشافعي «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» فعلينا دائمًا تبني فكرة احتمال صحة الفكر الجديد الذي يطرحه الآخرون، وتجنب أخذ موقفٍ مسبقٍ غيرِ قائم على دليل منطقي وواضح من أفكارهم، والبدء بمراجعةٍ ذاتية للفكرة التي نملكها، قبل الانتقال لمراجعة الفكرة الجديدة.
• احترام الآخر وعدم التعرض لمقدساته:
يعمد البعض أحيانًا إلى إظهار عدم احترام الآخر وتسفيه الآراء والأفكار المقابلة كأسلوب دفاعي لإثبات قوة الفكرة التي يتبنونها وضعف الفكرة المقابلة، ولكن غالبًا ما يُظهر هذا الأسلوب صاحبه بمظهر ضعيف الحجة وبالتالي تؤدي إلى إضعاف الفكرة التي لديه أمام الآخرين لعدم تدعيمه لها بالدليل المنطقي. وقد يصل أحيانًا الانحطاط في الأسلوب إلى التعرض لمقدسات الفريق الآخر بالرغم من معرفته لأهميتها ومكانتها عند الآخرين، فهي غالبًا تتجاوز ما هو مادي وفكري لتكون محور حياة الفرد وموته ليدخل الطرفان في جدال غايته تسفيه الفكر الآخر ومقدساته «وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ» [الأنعام: 108]. ومن مظاهر احترام الآخر حسن الاستماع له والانتظار حتى يفرغ من طرح الفكرة كاملة وعرض الأدلة المؤيدة لها، فإما أن نقبلها في حال وجدنا صحتها أو أن يتم مناقشتها في حال وجود خلاف في الفكرة أو بعض نقاطها. وفي حال وجود ما نختلف عليه حول الفكرة المطروحة لا يتم فرض وجهة النظر التي نؤيدها بالقوة والقمع والإكراه بل يجب مناقشتها وعرض وجهة نظرنا باللين والحكمة والأدلة التي تحترم ملكة العقل عند الإنسان «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [النحل: 125].
• التعميم وأثره في اختلاف الرأي:
من أكثر الأخطاء التي نقع بها في فهم الآخر (التعميم)، فغالبًا ما يدفعنا بُعدنا عن الآخر وعدم سعينا للإطلاع بموضوعية على أفكاره إلى وضع حكمٍ مسبقٍ عن الجماعة أو الفريق الآخر عبر مواقف أو تصرفات بعض أفراده وسحبها على باقي الأفراد واعتبارها هي الصفة العامة لهم. وللأسف غالبًا ما تكون التصرفات المتطرفة هي التي تجذب الأنظار وتلفت الانتباه وتترسخ في ذهن الفرد فيتم بناء التعميم على تصورات خاطئة، لذلك لا بد دائمًا من مراجعة تصوراتنا الذهنية عن الآخرين والعمل على التحقق منها بالاحتكاك بهم والاقتراب منهم والإطلاع على كتبهم ومؤلفاتهم.
• إخلاص النية والبعد عن الجدل العقيم:
إخلاص النية في الرغبة للوصول إلى الحق، وتجنب دخول النقاشات في المواضيع التي لا يملك الفرد معرفة بها، وحتى لو دعي إلى ذلك عليه الاعتراف بعدم معرفته وكان ذلك من خلق الصحابة والعلماء من السلف.
وتجنب الدخول في حوارات عقيمة لا تُفضي إلى نتيجة همُّ أطرافها الوصولُ إلى انتصارات أو إثبات ضعف الطرف الآخر، ودعا رسول الله (ص) إلى ترك مثل هذه النقاشات، فقال «أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا» (والمراء هو الجدال).

الاختلاف وواجبنا اليوم
اليوم والثورة تقرع أبواب النصر تبدو الحاجة ملحةً أكثر من ذي قبل لإعادة صياغة الأفكار وتدريب الذات على آداب الاختلاف بما يُفضي لبناء الثقة بين الجميع، ورفض ومحاربة تخوين أي طرف كان احترامًا لدماء آلاف الشهداء والمعتقلين والأسر التي شردت، فالمبادئ التي أتفقنا عليها لبناء الوطن (الحرية والعدالة والمساواة) لا بد لتحقيقها أولًا من تحقيق احترام الآخر في أنفسنا مهما اختلفت معتقداته وتوجهاته.
ولا بد من التذكير بضرورة تضمين الجانب التربوي لخطط إعادة الإعمار في سوريا، وأن يكون إدخال مبادئ آداب الاختلاف وقبول الآخر في مناهجنا الدراسية والتربوية من ضمن تلك الخطة.

تابعنا على تويتر


Top