شابّة، عجوز، ظالمة، مظلومة، قاتلة، مقتولة، عروس، مغتصبة، أم، أرملة

دمشق.. «مدينة اللغز»

-مدينة-اللغز.jpg

لمدينة دمشق ألقاب كثيرة، ومكانة تاريخية أثيرة، فهي أقدم عاصمة مأهولة وعاصمة الأمويين وجلّق وحاضرة الروم وذات العماد وهي الفيحاء والغنّاء والعذراء؛ لكلّ اسم قصّة ومعنى وتأريخ، لكن لعلّها بعد الثورة السورية ستنال لقبًا جديدًا يدور ربما حول «المدينة اللغز»، إذ لم يختلف الناس في نظرتهم لحاضرةٍ اختلافهم في دمشق اليوم، ولم تتعدد الآراء والمواقف من مدينةٍ تعددها الحاليّ من دمشق.

(ن.م) فلسطينية مهجّرة، ولدت في مخيم اليرموك، الوطن البديل الذي ما عرفت سواه، لتنزح عنه ذات قذيفة هزت أرجاء حيّها، وتمضي قصة نزوحها من منطقة ﻷخرى حسب أهواء ملّاك البيوت واقتحامات جيش الأسد وقواته.

اليوم لا ترى (ن.م) حلّا في الأفق «أعيش في دمشق التي عشقتها سنينًا لكني أشعر بها اليوم تخنقني؛ دمشق ليست دمشق، هواؤها ثقيل بطعم الظلم ورائحة البارود؛ تهز أصوات المدفعية القريبة البيت الذي أقطنه وأهدد بتركه في أي لحظة حسب مزاج صاحبه، وأدرك أنها تدكّ بيوت أصدقاء وإخوة في أماكن أخرى لا يملكون من أمرهم شيئًا… ولا أملك سوى إحصاء الصواريخ».

تكرار القصف اليومي كما كل شيء يولّد اعتياده، «مجرد اعتياد الموت والقتل جريمة لا تغتفر» تكمل (ن.م) «عندما تحلق في سماء دمشق طائرة تتجه نحو غوطتها الشرقية بغارات كثيرة في نهار واحد، ويتابع التاجر الدمشقي عدّ نقوده قلقًا لقلة أرباحه، أشعر أن الأمور لا يمكن أن تكون أسوأ، اعتدنا الموت..»

وخلافًا للشابة الفلسطينية، يبدو أهل دمشق أكثر تمسكًا بها رغم أنها اختلفت في عيونهم، ويعبر الكثيرون عن هذا منهم ياسمين (21 سنة)، طالبة في كلية هندسة العمارة من أهالي حي الشاغور، إذ تقول «هاجر الكثير من أقاربي وأصدقائي، معظم شباب عائلتي موزعون على كافة أرجاء الأرض خوفًا من الاعتقال أو هربًا من الخدمة العسكرية، لكنني لا أفكر في ترك حارتي ومدينتي، كثر هم من يظلمون دمشق اليوم وكأنها شريكة في أعمال النظام وما يقوم به، دمشق حزينة.. لكنها بحاجتنا نحن أهلها أكثر من أي يوم آخر، دمشق ليست نظام الأسد».

تمسّك ياسمين بالمدينة ورغبتها في البقاء لا نجده عند الكثيرين، وبالأخص من يعيش في دمشق نازحًا كالسيدة فريال، وهي مدرّسة من الغوطة الشرقية، فلقد واجهت الأمرّين منذ ما يزيد عن عامين لتجد لها بيتًا صغيرًا في ركن الدين «سبب المشاكل لم يكن ماديًا كما يخيّل للبعض، بل هو كامن في محل القيد المكتوب في هويتي، أهالي دمشق يخافون من المشاكل الناجمة عن النازحين من المناطق المحررة أو المغضوب عليهم من نظام الأسد».

وتوضح فريال «العديد من المكاتب طردتني حتى وجدت غرفة صغيرة، أتحسب دومًا من أي حركة خوفًا من مداهمة أو اقتحام… دمشق لا تشبه تلك التي كنا نزورها بحبّ أيام العطل، حتى سوق الحميدية بات اليوم مجمعًا للشبيحة لا أقربه».

بعيدًا عن دمشق، وقريبًا جدًا من نيران نظامها في مدينة دوما تلمع أضواء جبل قاسيون في دلال، تلك

التي يرى المحاصرون فيها ما هو أبعد من جمالها الظاهري، حسب رأي محمّد (17 عامًا)، وهو طالب في الثانوية، «هذه الأضواء تذكرنا بالكهرباء التي نسيناها منذ عامين، تشعرنا بمدى قربنا من العاصمة التي يمارس أهلها حياتهم على طبيعتهم بينما نراقب أضواء منازلهم، الحياة مستمرة هناك.. وفي كل مكان خارج الحصار».

شابّة، عجوز، ظالمة، مظلومة، قاتلة، مقتولة، عروس، مغتصبة، أم، أرملة، كلّ يراها حسب الهواء الذي تشبّعه منها، ومنحته إياه؛ فمن تنشّق ياسمينها كان بها مغرومًا، ومن غصّ ببارودها كان منها مظلومًا.

هي دمشق.. فحسب.

تابعنا على تويتر


Top