تباين في حالة الأسواق واللباس «الباكستاني» يسيطر عليها

تنظيم “الدولة” ينحر اقتصاد الرقة ويفصّل سوقًا على مقاسه

-الدولة-الإسلامية.jpg

«قد أبدو غريبًا عن مدينتي.. لكنني أتجول فيها لأجمع حقائبي وحكايات الترحال»، كلمات يلخّص بها أحد الناشطين معاناته وهو يرى تلاحقه في مدينته التي تنهار أجزاؤها وتتداعى بناها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

الرقة وباتفاق نسبة كبيرة من الأهالي والناشطين تبدو اليوم أشبه بمهرجان فلكلوري للأزياء الشرق آسيوية، من الثياب الباكستانية الرجالية إلى الشادور الأفغاني الذي يغطي النساء وبينهما متحف مفتوح لقطع السلاح التي يحملها عناصر التنظيم متجولين بها في الأسواق.

تواجد التنظيم أثر بشكلٍ كبير في عادات المدينة الصغيرة وطريقة عيش من بقي من أهلها، ما يدفع عددًا منهم إلى القلق على مستقبل مدينتهم التي تنهار أوجه الحياة فيها بشكل تدريجي.

«الموضة» تغيب والخياطة تنتعش

أسواق مثل القوتلي و23 شباط فقدت عددًا من زبائنها وشهدت كثيرًا من التغيرات في طبيعة المواد المعروضة فيها والمطلوبة من قبل الزبائن.

على بعد أمتار من مدرسة بلقيس يقع سوق ’’السبورات’’ (أو ساحة شماس) أحد أهم أسواق الثياب وأشهرها في الرقة، ويقول أبو حسن أحد أصحاب المحلات في السوق «أغلب أصحاب المحلات أغلقوا محلاتهم ومن بقي يعاني كساد البضاعة».

وكان السوق سابقًا أحد واجهات الموضة في مدينة الرقة وكانت محاله من أغلى المحلات في البيع والإيجار بسبب حركة الزبائن الكثيفة، لكن لم يبقَ اليوم سوى بضع محلات تبيع ’’العباءات الإسلامية والكلابيات» وفق أبو حسن، الذي يضيف ’’لم يبق لنا خبز في هذه البلاد، كل شيء هنا يرجع نحو الوراء ولا ملامح لتحسن الوضع’’.

في المقابل، تشهد مهنة الخياطة انتعاشًا ملحوظًا وعودة الأهالي إلى الاعتماد عليها في ظل غلاء أسعار الملابس الجاهزة؛ وبحسب ناشطين في المدينة (يعملون بالخفاء) فإن الأهالي يعتمدون اليوم بشكل كبير على الملابس المستعملة (البالة) والخياطة، فيما تراجعت أسواق الملابس الجاهزة خوفًا من قوانين التنظيم التي لم تترك فسحةً للموضة.

ويأتي ذلك نتيجةً لفرض اللباس الشرعي على النساء وإجبارهن عليه، حيث يعاقب عناصر التنظيم كل من لا تلتزم منهن بالسجن والجلد، كما أصدر قوانين تخص لباس الشباب وتأمرهم بالابتعاد عن الموضة واللباس الضيق؛ هذه القوانين جعلت من اللباس ترفًا يبتعد عنه أغلب الأهالي.

فيما انتعش سوق الملابس العسكرية، التي أخذت تنتشر وتأخذ حصةً لا يستهان بها من السوق في ظل الطلب المتنامي عليها، خصوصًا من عناصر التنظيم الذين يحاولون فرض موضة خاصة بهم في المناطق التي يسيطرون عليها.

وتتراوح أسعار الألبسة الرجالية بين 1500 إلى 7 آلاف ليرة للبنطال، بينما يصل سعر الكلابية الجديدة إلى 2900 ليرة وتختلف حسب نوع القماش، بينما تقترب أسعار الملابس النسائية من هذا الحد.

تباين في نشاط الأسواق

على بعد مئات الأمتار من ساحة شماس يقع شارع المنصور، الذي يعتبر أحد مراكز التبادل النقدي في المدينة، حيث تنتشر محلات الصرافة على جانبي الشارع.

أبو متعب، صاحب محل للصرافة، يصف حال السوق اليوم «لم يعد هذا السوق كما كان، فاليوم تنتشر محلات الصرافة في معظم شوارع الرقة، ولولا التحويلات المالية من الخارج والعمولة التي تقتطعها مكاتب التحويل لأفلس معظمها».

أما بالنسبة لحركة الصرف، فيردف أبو متعب «الحركة جيدة لكن إلى متى، فعناصر التنظيم يسحبون كميات كبيرة من العملات الصعبة من السوق بشكل شبه يومي، إضافة إلى شرائهم لكميات كبيرة من الذهب».

ويتراوح سعر الصرف مؤخرًا بين 245 إلى 250 ليرةً مقابل الدولار الواحد، بينما يؤكّد أصحاب المحلات أن العملة التي صكها التنظيم من الذهب والفضة نهاية العام الماضي «شكلية ودعاية إعلامية فقط».

في المقابل تشهد أسواق أخرى انتعاشًا في المدينة، التي «تبدو شاحبة ومعتلة اقتصاديًا»، حسب توصيف بعض الناشطين، ومن هذه الأسواق تجارة المأكولات السريعة والمطاعم التي تقدم الوجبات الجاهزة حيث تشهد إقبالًا كبيرًا من المهاجرين.

ورغم ارتفاعها، تعتبر أسعار المأكولات الشعبية الأقرب للمواطنين، إذ يبلغ سعر صحن الفول 150 ليرة بينما صندويشة الفلافل تصل إلى 100 ليرة، في حين يقبل المهاجرون على الوجبات الغربية كالهمبرغر والكرسبي التي يصل سعر اللّفة منها إلى 500 ليرة.

كذلك يعتبر شارع الوادي أحد أنشط أسواق المدينة اليوم بما يقدمه من خدمات بيع وإصلاح الهواتف المحمولة، حيث نجد فيه أرقى أنواع الأجهزة وأحدثها.

ورغم انقطاع شبكة الهاتف الخليوي عن المدينة والريف منذ أكثر من سنة إلا أن ذلك لم يوقف الإقبال المتزايد على الموبايلات بأنواعها، وبخاصة من عناصر التنظيم الذين ينفقون أموالهم لاقتناء أحدث أنواع الأجهزة.

ويتزامن انتعاش سوق الهواتف مع انتشار كبير لشبكات الإنترنت الفضائي التي تموّل بشكل فردي وتوزع على الناس، دون ضابط من التنظيم أو أي جهة أخرى.

نتائج النقلة الاقتصادية

الاقتصاد الرقّي الذي تأثر كثيرًا بعد دخول التنظيم وسيطرته على المحافظة يعتمد اليوم في جزء كبير منه على ما يضخه التنظيم من أموال في السوق عبر عناصره وعبر الدوائر التي تتبع له، من مصادر الدخل المتعددة التي يحصل عليها كالنفط وغنائم المعارك في العراق وسوريا وغيرها.

ويفيد عددٌ من المحللين المطّلعين أن اقتصاد المدينة يتأثر بتلبية حاجات عناصر التنظيم الذي فصّل اقتصادًا على مقاسه وإن جعل من المدينة على حافة الهاوية.

إن أثر التنظيم ومقاتليه كان مدمرًا على العديد من القطاعات الاقتصادية والمهن، مثل المقاهي التي كانت أحد أهم دعائم الاقتصاد الرقي ومن أشهر المناطق التي يلتقي فيها الأهالي والناشطون لكنها اليوم أصبحت «ممنوعة».

بينما أدت قلة الموارد وشح فرص العمل إضافة إلى هجرة أعداد كبيرة من الطبقة الوسطى وأصحاب الرواتب، إلى توسيع قاعدة الفقراء وأصحاب الدخل المتدني ليصبحوا شريحةً تغطي مجتمع الرقة اليوم.

معظم الرقيين اليوم يعيشون بأقل من 5 دولارات يوميًا في ظل أحكام قاسية يفرضها التنظيم وعناصره الذين يعيشون حياة مرفهة ويبذخون في مشترياتهم حيث لا تشكل الأسعار أي مشكلة لهم.

تابعنا على تويتر


Top