وهل تغرب شمس الحنين؟

503895667-copy.jpg

هو الانتظار… لم يعد بطبيعة الحال انتظارًا على باب الأمل بقدر ما أضحى انتظار موعد انكفاء الألم، ألم شعب تبددت أحلامه على وضاعتها بسقف آمن في دولة يحصد جزارها أبناءها كالمواشي النافقة، يبيد شبابها بالصواريخ، بالغازات، بالقنابل الحارقة، ثم يخرج رافعًا شارة النصر على أوجاع شعب يتقيأ مع كل مجزرة تهديدات عالم احترف الابتذال… يبصق عذاباته في حضرة مجتمع امتهن الدجل والارتجال.

ربما لم يدُر بخلد أكثرنا تشاؤمًا أن تؤول أوضاع شعبنا إلى هذه الحالة الكارثية، أن تتباهى من تسمى دول الحريات بانسحابها الفج من أدنى استحقاقات الإنسانية.  نتساءل بحرقة: كيف يطلق شرطي العالم تحذيرات جهنمية، ثم ينكفئ محتفلًا بنزع سلاح قضى على آلاف المحسوبين على البشرية، كيف سمحت له آدميته أن يتجاوز أسوأ كارثة جرأ طاغية الشام على ارتكابها تحت أنظار الرقابة الدولية؟ كارثة ضاعف من هولها الاحتفالات الهيستيرية لمن مثلتهم آلة القتل الهمجية، لمن شفى غليل أحقادهم «بيف باف الجيش السوري» على جسد الضحية.

ولسكب مزيد من الملح على جراح شعبنا المفجوع، تفتح المنابر الإعلامية لجهابذة العصابة ليتقيؤوا خزعبلاتهم في وجهنا بكل صفاقة، ليبصقوا علينا تخريفاتهم التي أعيت من حماقتها الحماقة، ليصدعوا رؤوسنا بمعزوفة الحياة تحت سقف وطن أضحى حظيرة سقفها لبِن وأرضها تبن.

لا يخجل هؤلاء من الرقص بنشوة على أنغام البراميل والغازات السامة والإبادة الجماعية، ولا يأبه أحدهم في غمرة مجونه لتداعيات رقصه الكارثية، ولا يتبقى لنا –نحن المسحوقين- سوى البحث عن ملجأ يحضن حطامنا بعد أن بتنا أرقامًا تدونها فصول التغريبة السورية.

وفي عتمة طرقات هجرتنا تحتدم التساؤلات حول الإثم الذي جردنا من هويتنا، نتساءل بألم ما كان علينا أن نفعل كي لا نخسر سوريتنا، هل كان علينا أن نغتال الضمير؟ أن نحرم عقلنا ملكة التفكير؟ أن نرتضي ونستمرئ عيشة البعير؟ أن نهلل لحفنة عشب أو تبن أو شعير؟

وإذا كان مقدرًا أن تغدو حياة الأنعام في بلادنا أقصى غاياتنا، إذا كان مقررًا أن يصبح الإذعان للذل منتهى حقوقنا، فيجدر بنا استبدال نمط حياتنا، أن نقطن الحظائر على أبعد تقدير، أن تفترش العشب ونهجر السرير، أن نتجاوز اللغات والكلمات والتعبير، أن نطأطئ رؤوسنا الجوفاء ونشهنق كالحمير.

أما هنا، حيث حطت بنا محطة تغريبتنا، فيجاهد البحر ليغسل ركام آلامنا، تكابد الأشجار لتمسح حطام انكساراتنا، يستميت الجمال ليبدد قبح أعبائنا… هنا، حيث نشيح بوجوهنا الشاردة باحثين عن ملاذ يؤوينا وذكرياتنا في ما كان يومًا وطننا، حيث نمسح آثار بكائنا الأبكم بينما تهمس شفاهنا بنداء يتردد صداه في أعماق جوارحنا:

وطني… يا جبل الغيم اﻷزرق

وطني… يا قمر الندي والزنبق

يا بيوت البيحبونا…. يا تراب اللي سبقونا

يا زغير ووسع الدني… وسع الدني

يا وطني…

تابعنا على تويتر


Top