الطائفية ومخاطرها

1.jpg

20داريا – جريدة عنب بلدي – العدد 29 – 9-9-12

فرضت السياقات التاريخية والظرف الجيوسياسي، والقيمة الدينية للمنطقة ولا سيما في سوريا واقعًا متمثلًا في فسيفساء قومية وطائفية تشكل عامل غنى وتنوع، ومجالًا رحبًا للتلاقح والفكري والحضاري، حيث برزت في العموم قيم التعايش، وتداخلت المصالح الحيوية بين كل المكونات، وكان من النادر جدًا حدوث إشكالات وحزازات على أساس عرقي أو طائفي، بيد أن استدامة سطوة الاستبداد لما يزيد عن أربعة عقود ألقت بظلالها على مجمل جوانب حياة الإنسان السوري، واستطال هذا الاستحواذ الفظّ على ميكانيزمات (آليات) العيش المشترك بين الطوائف والقوميات، وقام الدكتاتور حافظ الأسد باللعب على بعض التناقضات التي تفيده في ترسيخ حكمه الاستبدادي من خلال إحاطة نفسه بزمر من المستفيدين من كل الطوائف والأقليات ولاسيما الطائفة التي ينتمي هو إليها وهي الطائفة العلوية التي سخر قسمًا واسعًا منها في خدمة مشروعه العائلي القائم على التوريث وحصر الحكم في يديه ويدي بعض العوائل المقربة إليه، وكان مما نتج عن هذه السياسات التي مشى عليها الدكتاتور الابن أيضًا ظهور بوادر احتراب أهلي، وتنامي النزوع الطائفي لدى بعض السوريين ضمن سياقات الثورة القائمة والتي اتخذت منحى عنفيًا ردًا على القمع العاري الذي يستخدمه النظام حتى وصل به الحدّ إلى استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا ضد المدنيين والمناطق الآهلة.
ما يغذي الطائفية في سوريا أمور كثيرة ربما أكثرها تأثيرًا عدم تبلور الوعي المدني، ومفاهيم المواطنة لدى حيز عريض من الشعب بحيث يسهل الارتداد نحو الصيغ ما قبل المدنية، وعلى رأسها الطائفية التي ترتبط بالعقيدة الدينية الملامسة للقداسات والتابوهات التي تأصلت في اللاوعي الجمعي على عكس العشائرية مثلًا والتي تضمحل يومًا إثر يوم بفعل أنماط الحياة الجديدة، وازدياد نسب المتعلمين والمندمجين في الحياة العامة .
من أهم شروط تحقق الدولة هي تماسكها و تجاوز أفرادها للولاءات الطائفية، وتمسكهم بالولاء للدولة والمفاهيم المدنية الحرة بحيث يبقى الانتماء للطائفة رمزيًا ومقتصرًا على شعائر العبادة وبعض الطقوس الاجتماعية، لذلك يتوجب على معظم السوريين التنبه لكل ما قد يؤدي إلى تنامي النزعات الطائفية والتمسك بكل ما هو جامع للكل، والحذر من الذين ينحون منحىً طائفيًا من خلال توظيف سياسات النظام الجائرة بحق أبناء طائفة ومحاولته تحييد البعض أو تخوف آخرين من مستقبلهم، أو تعرضهم لضغوط هائلة من قبل النظام .
تتعاظم الحاجة إلى تعميق قيم التعايش والمواطنة من دعم المجتمع المدني عبر إعداد ورشات عمل ودورات للناشطين والمهتمين بالشأن العام لرفد هذا التوجه بخطط ومقترحات فاعلة.

 

تابعنا على تويتر


Top