بين فكّي الامبراطورية

كثيرًا ما نرى عناوين جذّابة في المكتبات كعنوان كيف تتقن اللغة الألمانية في 5 أيام؟ أو كيف تصبح مديرًا ناجحًا في ساعات، وإلى ما هنالك من لفتات غير مقبولة لعاقل يسمعها، مع ذلك نقبلها. أما أن نختصر بمقال مؤلف من بضعة كلمات واقعًا سياسيًا وإنسانيًا مريرًا تحت عنوان الثورة في أسطر أو بعنوان كيف تصبح ثائرًا ناجحًا، فهذا ضربٌ من ضروب المبالغة والإجحاف في وصف أحداث معقدة وشائكة كالثورة السورية، ومجريات الأحداث في المنطقة العربية من الصعب احتواؤها بمقال أو بورقة بحثية.

أيام قليلة تفصلنا عن الدخول بالعام الخامس للثورة، وخلال الأربع سنوات الماضية مرت هذه الثورة بفصول مختلفة، وبالتأكيد لم تبق في جادة الصواب وانحرفت عن مسارها وأخذت طوابع متعددة مختلفة من منطقة لأخرى، إما لطبيعة جغرافية وسكانية معينة وإما لعوامل خارجية أبت إلا أن تضع لمساتها في مهرجان التدمير والتقسيم الذي يضم معظم دول المنطقة. على أي حال لا يهم مرور عام أو 100 عام إلا في حساب يطرح التساؤل «ماذا أنجزنا؟» لا أن ننتظر معركة التواريخ لنحت التقويم الثوري.

ماذا أقول كسوري لشعب يترك كافة الأولويات ويقسم نفسه فريقين من أجل 3 أيام. لا أعمم فهناك فئة لا بأس بها نأت بنفسها عن هكذا سفاسف، لأن ما نمر به وما ينتظرنا أهم، وإن كان في العمر بقية وفي حيازتنا بندقية فأولى أن نوجهها إلى صدور امتلأت حقدًا على السوريين، وأرادوا من بلادنا مطية يتربعون من خلالها على عرش الإمبراطورية، وأقصد الإمبراطورية الفارسية المتأثرة بتاريخها البعيد في الهيمنة على جزء كبير من المشرق العربي، فامتد نفوذها في عام 525 ق.م حتى مصر، وامتدت من وسط آسيا إلى هضبة الأناضول، وسيطرت على العراق بعد ذلك بقليل، وضمت شرقي المتوسط من سوريا إلى مصر، وذلك حتى جاء الاسكندر المقدوني وبدأ باستعادة المدن واحدة تلو الأخرى.

ومن الواضح أن ما يدور الآن هو مشهد تاريخي سابق ليس وليد لحظات، يطفو مجددًا في مقدمة الأحداث العسكرية والسياسية في كثير من الدول العربية، هي أحلام قادة سعيهم حثيث لاستعادة تلك الأمجاد في منطقتنا، فها هي العراق ولبنان واليمن وسوريا مؤخرًا باتت ترضخ تحت وطأة هؤلاء.

ينقصنا أن نفهم حقيقة هذا المشروع التوسعي لاختيار الوسائل والبدائل ومعرفة الحلفاء والأعداء، أن نجنب معركتنا الكبرى القلاقل الداخلية قبل أن يقف على باب بيت كل منّا إيراني مُقَنّع مدجج يَحُول بيننا وبين حريتنا في ظلام عبودية القرن الواحد والعشرين.

إن لم ندافع عن قضيتنا فلن يأت أناس يقومون بذلك مهما طرحنا من شعارات رنانة، لنكن أكثر حكمة ولنتعلم من تاريخنا القريب في أربع سنوات مضت، بدأنا فرادى وسنبقى فرادى، حاربنا القاصي والداني. لماذا لا نتعلم من عدونا كيف أعد العدة وحارب العالم لتحقيق حلمه التوسعي، بالتأكيد ذلك ليس من باب التمجيد، وإنما قراءة مشروع دولة استخدمت الجماعات والمذاهب بما يخدم مصلحتها، واستخدمت هي أيضًا من قبل الدول الكبرى كواحدة من أدوات التوازن الديني في المنطقة بمواجهة المد السني الجهادي، بعكس ما تمليه كثير من التحليلات القائلة بأن «الدول الغربية تقف عاجزة عن وضع حد للتوغل الصفوي في دول المشرق العربي خشية تداعيات الحل العسكري معها إما لوضع حد لمشروعها النووي أو نفوذها الجغرافي».

لا يكفي أن ننظر من زاوية واحدة لمعاينة حقيقة ما يجري، الأَولَى أن نستخدم أسلوب الطبيب في تمحيص أسباب الانتكاس والاعتراف بضعف مناعة الأمة أمام هذه الأورام، داخلية كانت أم خارجية، ما ينقصنا هو تشخيص صحيح للواقع الراهن لوضع علاج ناجع.

أعلم أن البعض يختلف معي في سلم الأولويات، أمامنا خياران، إما أن نعالج خلافاتنا أو أن نعزز نقاط اتفاقنا في وحدة الهدف، وهو الأنسب على الأقل في الوقت الراهن، لأننا افتقدنا إلى طاولات الحوار وإن وجدت كان الحوار بلغة البندقية في ظل ثقافة البقاء للأقوى.

الحقيقة إن من يملك القوة بحاجة لمتعلم ومثقف ومتفقه، ولسياسي وإعلامي يُكمل دوره، ونحن لا تنقصنا الكفاءات، بل اتحاد رؤاها وقواها في القناة الصحيحة في سبيل هدف واحد، ينقصنا أن نعمل ما يجب لا ما نُحب.

لم تكن الأمة الاسلامية أعظم الأمم في زمن النبوة إلا لأنها توحدت تحت راية واحدة وهدف واحد، لم يكن تعدد الرايات يومًا ما سببًا في بناء أمة على مرّ الأزمان، وربما من مقومات الوحدة المنشودة إدراك المخاطر المحدقة المحيطة بنا، لم تعد القضية قضية شعب سوري أو عراقي بل تجاوزت كل التسميات لتصبح إقليمية، من أفغانستان حتى اليمن إلى ليبيا وحتى العراق، ولا أرجو إلا أن يكون هناك وقت لدينا للتعامل مع هذه التهديدات قبل أن يفوتنا قطار الزمن لعقود قادمة، ما علينا إلا أن نرتب ييتنا الداخلي من جديد معززين علاقاتنا مع حلفائنا الدوليين أمثال تركيا كخير مثال مطروح أمامنا.

تابعنا على تويتر


Top