بين (الأنا) والفكر المثالي في الثورة

13.jpg

20داريا – جريدة عنب بلدي – العدد 29 – 9-9-12

   محمد الملحم

عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: ما كنتُ أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أُحد: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [آل عمران: 152].
الثورة السورية واقعٌ بشريٌ بكل ملابساتها وظروفها، بكل أحداثها ومجرياتها، بكل شخوصها وأبطالها، بكل نجاحاتها وإخفاقاتها… وهكذا أرادها رب العزة امتحانًا للعباد؛ فيها من ارتقى وتربع على قمة الوعي والرقي البشري، وفيها من يناوش القمم، وفيها المقتصد. وبالمقابل فيها من يحرص على الدنيا ومن تقهقَر وترسّخت في نفسه معاني الارتكاس ورسب في الامتحان، ومن زادته سوءًا على سوئه، ومن ظهر معدنه الصدئ… بل من الثوار من هو كذلك ولا شك.
وإن العاقل لا يستغرب ذلك في أمةٍ تختزن في نفسها وذاكرتها ركامًا هائلاً من التصورات والأفكار والقيم المنحرفة، بفعل سياسة الإفساد المنظم التي كان ينتهجها النظام الطائفي في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وكافة مرافق الحياة تحت غطاء حزب البعث.
إن الثورة على الطغيان إنما هي ردُّ فعل بشري فطري على الظلم المتراكم يشارك فيه كل الناس على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، سواءً كانت ردة الفعل سريعة أم أخَّرَها ركام الخوف والذل. بينما الحضارة لا يجيدها إلا أرباب القيم النبيلة، والتصورات الصافية الرقراقة الرحبة، لا يستطيعها إلا من يجيد التعاطي الإنساني المشترك، وَفْقَ القيم الربانية (التي في ظلها فقط تتحقق حرية الإنسان بشكل يليق بالإنسان).
أذكر ذلك لأنه قد تُفاجئنا الأيام القادمة بشريحة من (الثوار) -بل هي موجودة فعلاً- قليلة الزاد من قيم التواصل والتجرد، تتشرنق حول ذاتها، تُقصِي وتدني حسبما تحب وما يوافق هواها، دون مراعاة لمصلحة الثورة أو مصلحة وطنية عامة، تراها توزع صكوك الوطنية يمنةً ويسرة، ضاربة ببذل الآخرين عرض الحائط، دَأبُها تكريس الـ (أنا) والتمحور حول الذات، وإلقاء التهم جزافًا، والنيل من جهد المخالفين وتهميش تضحياتهم والتقليل من شأنها، لسان حالهم: (أنا فعلت، أنا قدمت، أنا جُرِحت، أنا ثُرْت، كتيبتنا، مجموعتنا…) غير عابئين بالجراح الدامية ولا بالبلد المهدَّم! أو أنهم يحرصون على إعادة سيرة الاستعباد وفرض أنفسهم على رقاب الناسِ، والدماء لمَّا تجف بعد!
إن المرحلة المقبلة تحتم على كل (عاقل رشيد) أن يساهم ويشارك في الحد من هذه الظاهرة؛ بنشر الوعي وإطالة الصبر على نصح هؤلاء الإخوة وغيرهم، ونشر ثقافة الحوار وعدم إقصاء الآخر في أوساطهم (والكلام هنا داخل البيت الثوري دون الممالئين للنظام). ومن الجدير بهؤلاء الإخوة العقلاء على اختلاف تخصصاتهم أن ينزلوا ليعيشوا بين حَمَلَة السلاح؛ يقتربوا منهم ويباشروهم، لينالوا شرف الرباط والجهاد أولاً، ثم ينشروا تلك الثقافة العاصمة الممهِّدة للحياة الآمنة المشتركة ما بعد سقوط النظام والانتقال لمرحلة البناء، وخاصة أن أولئك الإخوة ليسوا من الشر بذاك؛ وإنما تنطوي نفوسهم على خير كثير.
إن اتساع لغة الأنا والأنانية واتهام الغير أمرٌ غير صحي ولا يُنبئ بخير، وسيقف عائقًا دون تعافي البلد والتئام الجراح، وسيكرس الألم والضجر في النفوس…
أيها الثوار! أرعونا سمعكم، لتمتد أيديكم لتتصافح، قبل أن يغري الشيطان بعضكم ببعض ويكون الندم ولات ساعة مندم. لا تضيق صدوركم بإخوانكم؛ فهم شركاؤكم اختلطت بدمائهم دماؤكم، وتعفرت بالسجود لله جباههم وجباهكم… ربكم واحد ودينكم واحد وهدفكم واحد… فعلام الخُلْف بينكم؟
أيها الثوار! إنكم وافدو الناس اليوم فلا تكونوا شؤمًا عليهم، لا تزيدوا مصائبهم بخيبة تصيبهم فيكم، كونوا حماةً للحقوق والأعراض، أمانًا للناس الذين خسروا كل شيء من أجل حياة حرة آمنة. فالوطن يتسع للجميع، وإنما التناقض مع مَنْ ظلم وسلب الحرية ومن على نهجه يسير.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)  [التوبة: 105]

تابعنا على تويتر


Top