بين الحق القرآني والحق الثوري!

291.jpg

20داريا – جريدة عنب بلدي – العدد 29 – 9-9-12

عماد العبار –  الحراك السّلمي السّوري

لم يحذّر القرآن من شيء قدرَ تحذيرِه من غلبة فكرة مسايرة الأكثرية في المجتمعات، لا لشيء فقط لكونها أكثرية، لدرجة أنه لم يحذر الإنسان من أن يحمل فكرته المختلفة وحيدًا، بقدر ما حذره من تخدير نزعة الحق في داخله، وتسليم عقله لقرار الأغلبية!.
لقد كان الصراع أو التدافع كما يصوره القصص القرآني، يقوم بين أكثرية مجتمعة ومتواطئة على الخطأ أو الباطل المدعّم بكونه السائد المقبول للأكثرية، وبين أقلية قد تصل في غالبية القصص حتى أقلية الرجل الواحد (النبي أو الرجل الصالح المُصلِح). ويُظهر القصص القرآني في تنوّعه الأساليب العديدة التي كانت تستخدمها الأكثرية للتضييق على الفئة القليلة التي كانت تحمل فكرًا مختلفًا، يكفر بما هو سائد، ويحمل من المقومات ما يؤهله لقلب المفاهيم وتجديد سير الحياة فكرًا وسلوكًا.
ومما لا شك فيه أن لهذا الأمر دروسًا مستفادة، أولها ما بدأت الحديث عنه في أن الحقَ لا يغيّر من طبيعته اجتماعُ أعدادٍ كبيرة معه أو ضده، وبالتالي فإنه قد «يصيب شخصٌ وتخطئ جماعة».
وثاني الدروس أن الحق النبوي الذي جاء في القصص القرآني، وبالرغم من أن الذي يحمله هو نبيٌ مرسَلٌ من الله عز وجلّ، إلا أنه كان يأتي مسلّحًا بكل البراهين العلمية والفلسفية والمنطقية، وبقراءة منفتحة على التاريخ الإنساني الذي يسبق فترة كل نبي. وهذا سيدفعنا للتركيز على الفكرة المحورية الثانية، وهي أنه إذا كان الأنبياء حريصين على هذه الدعائم المنطقية والفلسفية للحق الذي كانوا يمتلكونه، والذي لا يمكن أن يداخله شكٌ أو ريبة، فإن الأولى بنا نحن البشر العاديون أن نعطي الأولوية للمفاهيم والدعائم العلمية لأفكارنا، فالحقيقة تُثبِت من خلال قراءة واعية لتجارب التاريخ، مع قراءة منفتحة للنصوص الدينية من خلال ما يتوافر من علوم إنسانية وتطبيقية حسب كل عصر، أنه من الأولى بنا أن نركّز على إظهار الحق أو الصواب الذي نعتقده، من خلال الدعائم والأدوات الفكرية، وأن نعمل على تحييد هيمنة الأكثرية على عقولنا، هذه الهيمنة التي لم تأتِ عمومًا في الخطاب القرآني في سياق المدح بقدر ما جاءت ضمن سياق الذم والتحذير ..
يأتي السؤال الآن، ما علاقة هذا الحديث بواقع ثورتنا وبلحظتنا الراهنة ؟!
في الحقيقة لا يوجد استثاءات في مسألة استقلال الحق عن هيمنة الأغلبية حتى في حالة الثورة نفسها، فالحالة البشرية واحدة، سواء كانت أكثرية ثورية، أم أكثرية تتبع لطغمة؛ عندها سيكون الحق (الثوري) هو فقط ذلك الحق المدعوم بقراءة واعية للتاريخ، وبفهم عقلاني للواقع، وبقراءة متجددة للنصوص ووضعها ضمن مجراها التاريخي، مع عدم اقتطاعها من سياقها وخلط فهمهما وتطبيقها. أي أن الحق الثوري، حتى يصح تسميته حقًا أو صوابًا، سيكون باختصار ذلك الحق المستقل عن هيمنة الأغلبية حتى وإن كانت ثورية! فإن سيطرت هذه الهيمنة على عقولنا فلن تتحرر لتبحث عن دعائم علمية، وبالتالي ستهيم الثورة وسيخضع التغيير المأمول للصدفة المحضة!
(وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِن هُم إِلاَّ يَخرُصُونَ)
عجيبٌ هذا القرآن، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ..

تابعنا على تويتر


Top