بعد رحلة مع الموت في عرض البحر

في عيد الأم.. تحية من “بيسان وشام” إلى أمهات سوريا

_في_هولندا_في_أحد_دروس__التخلص_من_الأحلام_المزعجية_.jpg

تتعدد جوانب معاناة المرأة السورية في ظل السنوات الأربع التي مرت من عمر الثورة، وتسهم الأرقام والإحصائيات “المخيفة” التي توثق هذه الجوانب في جعلها إحدى أكثر النساء “جبروتًا وبؤسًا” على وجه الأرض.

لم تكن تعلم بيسان بأنها ستنجو وتتحدث لعنب بلدي عن قصتها بعد صراعها وطفلتها مع الموت في عرض البحر، ولكنها آثرت أن تُهدي قصة نجاتهما إلى أمهات سوريا في عيدهن، لتبرهن لهن وجود الأمل بالحياة تحت أصعب الظروف.

بداية الرحلة

قرابة الساعة الثامنة مساءً، وفي يوم بائس من أيام العام الفائت، ظهرت سفن الإنقاذ وسط حالة هستيرية بين ركاب قارب النجاة المطاطي الهش بعد انتظار طويل وسط الموج الهائج؛ “ماما إذا غرقنا لا تخافي بس ضلي متمسكة فيني منسبح ومنطلع”، بهذه العبارة طمأنت بيسان ابنتها، بعد نقلهم إلى قارب النجاة إثر تعطل محرك السفينة التي كانت تقلهم من ليبيا إلى إيطاليا في عرض البحر.

وتقول أم شام “بعد أن تركت زوجي على متن السفينة لعدم وجود متسع للجميع على متن القارب، فكّرت بالسباحة للفت أنظار سفن الإنقاذ، ولكنني سرعان ما عدلت عن رأيي مخافة ترك ابنتي وحيدة”. في هذا الوقت كانت ستر النجاة تغطي بلونها الأصفر مساحة صغيرة من البحر، ولكن شام لم تكن ترتدي سترة، إذ احتال المهرب على أمها ووعدها بتسليمها سترة ابنتها في القارب، وهنا بدأت السفينة تتهاوى مترنحة، ومخلفة موجة كبيرة أسقطت جميع ركاب القارب.

صرخات شام

غاصت بيسان حاضنة ابنتها، بعد أن فرغ الهواء من سترة نجاتها، بينما ذاب باقي الركاب “كحبات السكر” في الماء؛ بدأت شام بعد وصولها إلى السطح بالصراخ “ماما خالو مات”، ولكن الأم المذعورة لم تكترث لكلام ابنتها بل أكلمت طريقها مبتعدة عن الجموع التي بدأت تتمسك بها محاولة النجاة من الغرق؛ عاد صوت شام مجددًا “ساعدونا.. ماما رح نموت؟”.

وتصف أم شام حالها في ذلك الوقت قائلًة، “نال التعب مني بعد سباحتي لمسافة طويلة، وأحسست بالعجز الكامل حتى سمعت صوت ابنتي تقول -ماما بس بدك تموتي قليلي مشان موت معك- هنا بدأ الموت يحوم في المكان، ولم أحتمل فكرة فقداني لها، فاستحضرت مناجاتي لربي ودعائي له في كل يوم بألا أموت قبل أمي، لأني أعلم مدى فظاعة أن تفقد الأم طفلها، لذلك استجمعت قواي ورفعت شام بقوة وعدنا معًا إلى السطح”.

بين الجثث أكملت بيسان طريقها، بينما بدأت ابنتها بلثم جبهتها مرددةً “ماما ما رح اضغط عليكي كتير بس ريحيني كل شوي وارفعيني”. بعد قرابة 3 ساعات، وفي هدوء الليل الموحش مدت يدها مسرعة لتمسك بشعر ابنتها الأسود وترفعها من الماء بعد أن غاصت؛ ضغطعت على صدرها بيد خائرة القوى، وهنا بدأت شام تسعل بشدة وتقول “ماما أرجوك أنت عمري وقلبي إذا عنجد بتحبيني عيشيني خليكي رافعتيني ولا تموتيني، بس خليني أتنفس من تمك شوي”، ووضعت فمها على فم أمها وراحت تسحب الهواء محاولة التنفس.

عملية الإنقاذ

في خضم هذه الحالة الهستيرية تذكرت أم شام أنبوب سترة النجاة وراحت تبحث عنه بذعر، أمسكت به ونفخت بكل ما أوتيت من قوة لتعيد ملأها بالهواء، وهنا ضحكت شام وهي تردد “شكرًا ماما رح تعيشيني مو”، إلا أن أمها كانت خائرة القوى في هذه اللحظة.

تنهي بيسان حديثها بألم، “بدأت أصحو من الغيبوبة، لأجد نفسي على ظهر سفينة الإنقاذ، حينها بدأت أبحث عن ابنتي بجنون، والتفت لأرى أختي وزوجها وابنتي شام، وأجهش بعدها بالبكاء، وأدركت فيما بعد أن زوجي قد فارق الحياة، وأن أختي فقدت ابنتها أيضًا”.

تعتبر هذه القصة نموذجًا بسيطًا لآلاف قصص المعاناة التي عاشتها وتعيشها الأمهات السوريات في ظل الصراع المحتدم في البلاد. تحية إلى أم شام وإلى أمهات سوريا الأحرار اللواتي ضحّين بأغلى ما يملكن خلال السنوات الماضية، وأثبتن بأن المرأة السورذية هي أحق النساء على وجه الأرض بحمل لقب “الأم الجبّارة”.

تابعنا على تويتر


Top