في مهب الريح

هل جرّبت يومًا أن تخوض مغامرةً نوعيّة، بأن تنتقل من درجة حرارة شديدة البرودة تقارب الصّفر المطلق المتجمّد، إلى درجاتٍ جهنّمية مثل 60 فما فوق؟ إثرَهَا، هل بقيت على قيد الحياة -الطبيعية- دون أن تشعر بالتّصدُّع يسري في كيانك جسدًا وروحًا، قلبًا وقالبًا؟

هذا ما حدث ويحدث بالفعل وربّما بشكلٍ صادمٍ أكثر مع البعض من أمثال “فضل شاكر”.

أن تتكيّف مع فكرٍ وأسلوب حياة باتجاه واحد هو أمرٌ سهل، مهما كان هذا الاتجاه والأسلوب متطرفًا يمينًا أو يسارًا، محافظةً أو تفلّتًا، ولكن التغيير في الاتجاه وقلب البوصلة في” لحظة حقيقة” أمرٌ نادر الحدوث وصعب المنال، وعاقبته لا تكون مأمونةً على الدَّوام؛ حدثٌ نادرٌ ولكن ليس يتيمًا في أيام الدهر.

سبق وأن سمعنا ورأينا مشاهير من فنانين وسياسيين خضعوا في مرحلةٍ معينة من حياتهم لعمليات هي أقرب ما تكون إلى عمليات الاستئصال ومن ثم الزرع أو تبديل الجنس، كل هذا تحت ظروف طبيعية مستقرّة.

أما ما تمرُّ به منطقتنا من تقلباتٍ وتخلّقاتٍ حاسمة، فلا بد أنها أبعد ما تكون عن الوضع الهادئ الطبيعي الذي يسمح لك بالتفكير المتزن.

فالرياح تهب بك عاصفةً من كل جهة: رياحٌ جافة مصدرها العقل وأهله وحجّتهم الدامغة، ورياح الدّين وحملَتهِ وتيَّاراته التي تفوق جهات الرياح الثمانِ عددًا وكلٌ يدّعي وصلًا بليلى ورياح أهل الهوى اللطيفة الهفهافة التي تهدهد في ضميرك النّاعس أصلًا بصوتٍ جذابٍ لتُسلِم لها الرُّوح بنومةٍ أبديةٍ لا يوقظك منها إلا الموت وحسرتُه.. ولاتَ ساعة مندم.

“نظرية المؤامرة” حاضرةٌ بقوة في مثل هذه الحالات الصَّارخة، فهي ملاذنا الوحيد في الأوقات العصيبة، نظريةٌ كأنها فُصلت على مقاسنا، لتكون لنا كعصا موسى نتوكأ عليها ونهشّ بها على أغنامنا من الأتباع، ولنا فيها مآرب أخرى.

ضعفٌ وانحطاطٌ و”خرقةٌ مرقَّعة” على كل المستويات، فنحن غرقى نرى في القشة جذعًا ونطالَب بعدها بالموضوعيّة في التفكير.

في حالتنا كلُّ “ارتكاس” (ردّة فعل) يترافق مع “انتكاس” يزيد الطين بللًا والأزمة تأزُّمًا، لتنقلب مهمةُ الأمة ورسالتُها بعد ذلك إلى محاولاتٍ فاشلةٍ لإقناع الذات بعد أن كانت المحاولات منصبّة على إقناع الآخر.

هذا يذكّرني بالنكتة القائلة إن عربيًا مغتربًا في لندن حديثَ عهدٍ بفكرٍ، ولم يخض مخاض العلماء تمثّل يومًا ما سمعه من أحد العلماء في مقاربةٍ وتمثيلٍ لموضوع المرأة والحجاب فتجاسر وسأل لندنيًا وهو يحاوره في الموضوع: إذا خيّرتك بين قطعتي شوكولا إحداهما مكشوفة مفتوحة والأخرى مغلّفة مغطاة أيّهما تختار؟

فأجابه اللندني غير متلبّثٍ ولا هيّاب مقتنعًا لا متصنعًا: طبعًا أختار المكشوفة فلقد خَبِرتُ حالها واشتهيتها أما الأخرى فربّما لا تعجبني؛ هنا وهنا فقط أُسقطَ في يد صاحبنا “العربي المسلم” فما كان منه إلا أن انتضى آخر سهم من جعبته وقال: تبًا لكم أيها البريطانيون ولكنني من دولةٍ نفطيةٍ أغنى منكم.

تابعنا على تويتر


Top