قبل مترٍ من الحافة

تستمد بعض الذهنيات الغضة أو ذوات التعلّم والتربية العلمية على اتجاه فكري واحد «الغلو» وتتشربه، فتحبسه في أنفسها وصدورها فترة ثم تطرحه بخجل؛ خجلٌ من مخالفته للفطرة وروح الواقع.

ثم يزول الخجلُ مع مرور الأيام فيصرّح حامل هذا الفكر بما يشعر به في داخله، ويربطه بالتشريع والسماء؛ لا يقضي التصريح بعدها وقتًا طويلًا حتى يأخذ شكل السلوك والأفعال.

فيهدم صاحب الغلوّ تعاليم المسجد والشرع ويهدم المصحف والإنسان، فتقتَلُ النفس المسلمة بحجّة الشرك، وتُحرق الأجساد بحجة الاعتبار، ويُسرق المال بحجة الفيء، ويُهدم المسجد بحجّة المسجد الضرار، وتخرج أمم وشعوب ومدنٌ عن دائرة الإسلام لـ «جهلها بالأساليب الحديثة لإثبات الانتمائية له».

يفعل ذلك باسم الله.. وراءه في التّصوير كتابُ الله، ولحيتُه تجمّل وجهه، وفي عينه كحل النبوّة والسنة المباركة، يسوقه حسن النية، ويحمسه بحر العاطفة والمخالفة والغرابة، بينما يحصدها سوء المآل.

تطولُ الثورة، لينزع الغلوّ عن سوءته، وتكشف الأنفس عن اعتقاداتها واعتناقاتها الفكرية التي يراها أصحابها -كما الناسُ- غريبة عن روح الواقع ونسقه.

يراها صاحبها مجانبةً للفطرة والبساطة ووحي الروح، فيحسب فطرته وسوسة معادها النفس أو الشيطان تغويه لثنيه عما عزم وعطفه عما بيّت وخطّط، كما عادة النفس والشيطان أمام أيّ سلوك مستقيم؛ فيزداد تمسكًا بما يعتقد وتشبثًا بما يريد أن يفعل.. ذاك ما كان من حاله هو ذاته.

على الجانب الآخر، فإن الانتقادات تهطُل عليه تباعًا من سائر من حوله، بسطاء أو علماء أو طلبة للعلم أو مجاهدين تنزف من سواعدهم الدماء؛ إلا ممن شابهه في النشأة فاصطف في صفّه، وشاركه موقفه أو شبّ بذهنية غضّة على أفكار وصائية تعمل باسم الله وتحرق باسمه وتعتقل وترمي بالرصاص باسمه.

لكن هذه الانتقادات تأتي بعد فوات الفكرة، وتصلّد المبدأ وتحجّر القناعة، فلا تزيده على عزمه إلا عزمًا ولا تجعله إلى المتابعة إلا نهمًا، عصيًا عن التراجع بين أيديه الحياة.

ولا يرى في حياته طعمًا إلا بإمضاء ما يعتقد ولو كانت الفاتورة الموت.. كيف لا!؟ وهو يراها غاية الرسالة ومنتهى الخلافة وذرى الشريعة.

كيف لا؟! وهو مغيّبٌ سنينًا بفعل سياسة حكومات مستبدة، يتوق مارد الحق في نفسه إلى الخروج والانعتاق.

ألا فهذه اللحظات هي أجمل لحظات عمره، لأنّه عاش فيها تناسقًا بين مشاعره الداخلية المكبوتة، وبين سلوكياته التي ساtعده الواقع والسلاحُ والجهل -جهله– على إعلانها بقوة وصرامة.

فكيف بمن جاء ليسرقها منه بدعوة الإصلاح والاعتدال، أو خالفه في كلها أو بعضها.. ألا فكل مخالف آنذاك مفسد، وكل مفسد آنذاك مقتول، وكل قتيل آنذاك لا مصلّى عليه ولا مدفونٌ في مقابر المسلمين.

بل إنه لم يعد يرى لحياته طعمًا إلا في هذه الساعات التي يشعر أنه يؤدي فيها رسالته في الحياة.

ألا فالرسالة آنذاك هي الفكرة، والفكرة هي الموت والعصا، والموت آنذاك هو الحياة، والحياة بذل وتضحية ودماء.

على بعد متر منا، تقع الصومال السورية، وأفغانستان السورية، وإن رأيت في كلامي مبالغةً فتقدم مترًا وألق نظرة على الهاوية، ألا ترى تلك النهايات البائسة؟

لقد كانت بداياتها مشابهة لبداياتنا تمامًا، فالصومال وأفغانستان والنّيجر، ثلاث مشاهد دامية اجتمع فيها الجهل والفقر معًا، وثلاثتهم كانوا قد خرجوا لتوّهم من أسر الاحتلال المحلي أو الغربي الذي كبتهم فزرع وربّى التطرّف وشهوة الانفجار والانتقام في نفوسهم كما عندنا تمامًا.

ثم كلّل اجتماعَهم وجودُ بعض الأفكار الدينية الجاهزة وانتشار السلاح والمساحة، فكان ما كان.

إنّ كل ما تراه من الدماء والخراب والخرق السوداء وبقايا بعض أغطية الوجوه ملوثة بالدماء في الأسفل، قد بُنيَ بفضل السواعد الفتيّة التي رأت في مخالفتنا لهم معصية لله، وفي معصيتنا لله تحدٍ لذاته، وفي تحدينا لذاته شركًا بعبوديته، وفي إشراكنا وجوب قتل وصلب وحرق.

إنه يرى في قطعة قماش اتخذناها علمًا لنا بعد أن اتخذ غيرنا كذلك، نُقشَ عليها رسم وألوان ما سوى ختم رسول الله أو الشهادتين أو الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار المرفوعة؛ مخالفة للسنة وبمخالفتنا للسنة فقد أعلناها حربًا على صاحبها، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أعلن الحرب على مصدر الشريعة فقد استحقّ الحرب من الناطقين باسم الله في أرضه.

وبذلك فقد كُتب علينا العيش مرعوبين أو الموت لا صلاة علينا، وحيل بيننا وبين الحياة لا نسمع حسيسها.

لا بأس عليك أيها القارئ إذا حزنت، فأنا قد حزنت قبلك ساعات كثيرة.. لم أشأ أن أحزنك لكن إزالة الغشاية والضبابية عن بعض الصور هي من نادت وفعلت.

لا تبتأس لما قرأت وما علمت، فدوننا الله مدبر الأمور خالق الأخطار وصارف الأضرار.

ولكنّي إن حمدتُ الله، وإني حامده دومًا؛ فأحمده من قبل ومن بعد على أننا التقينا قبل متر من الحافة.

تابعنا على تويتر


Top