التدين ومساحة الفكر البشري

عمار حسن بك

لسنوات طويلة أخذت على عاتقي محاربة الفكر المتشدد في الإسلام، واعتقدت –بل آمنت– أن التصدي للفكر المتطرف في الإسلام هو أولى أولوياتنا الحياتية، وأن الاستقامة الحياتية للجنس البشري لن تتحقق إلا بالتخلص من هذا الفكر المتطرف. إيماني المطلق بـ «الإسلام المعتدل» الذي أٌنزِلَ هدايةً وإنصافًا للإنسان وأداةً لتحقيق الاستخلاف المنشود هو ما دفعني لنذر كل طاقاتي الفكرية والأدبية لمجابهة التيار المتطرف والرد عليه وإبطال حججه قدر ما استطعت.

سنوات قضيتها في تتبع كتابات التيارات الإسلامية، أجمع أدلة المعتدلين وأقتفي آثر أعلامهم أتابع كل محاضراتهم وخطبهم وبرامجهم وأقرأ كتبهم، وفي الوقت ذاته أتابع باقي التيارات فقط لسماع آرائهم لا لفهما بل للرد عليها وإبطال حججها والنيل منها، قضيت وقتا طويلًا من عمري في عمل انتقائي؛ وظيفتي هو انتقاء الأدلة والبراهين لمطابقة الإسلام مع وجهة نظري وما أراه أنه هو الإسلام الحق.

ولكن في خضم تلك الدوامة التي وضعت نفسي فيها كان ينهض سؤال ليعارضني ويقض مضجعي ويقلب رؤيتي وهو: ما هو الميزان أو السند الذي أعتمده أنا وغيري للقول إن الإسلام هو بهذه الصورة أو تلك، وما الذي يجعلني أجزم أن الإسلام هو بهذا الفهم المحدد الذي أصفه؟ وكيف ميزت أن هذا تطرف وهذا اعتدال؟ وما الذي يجعلني أقول بأن هذا الشكل الذي أدعوه متطرف هو لا يمثل الإسلام، ولماذا يحتكر فهمي للإسلام الإسلام؟ وكيف يمكنني أن أحكم أي شكل أو قانون أكثر إنصافًا للإنسان؟ وما هو الإنصاف الحق؟ والمزيد المزيد من الأسئلة.

الحقيقة نحن أمام تيارات إسلامية كثيرة ومختلفة حتى على مستوى العقيدة، وكلها تدعي الفهم الأصح للإسلام وتتهم الآخرين بالفهم الخاطئ للدين، والقاسم المشترك بين تلك التيارات أن معظمها تدعي أمرين:

أولهما: أن مصادر تشريع هذه الطوائف هو القرآن والسنة وأن فهمها مستمد من هذين المصدرين، وبالتالي تتلاقى معظم الجماعات الإسلامية في مصادر التشريع الأساسية للمسلمين.

ثانيهما: أن كل واحدة من هذه الطوائف تحتكر الفهم الحق للإسلام وأنها تمتلك التفسير والتأويل الصحيح لمصادر التشريع وأن باقي الطوائف قد انحرفت بفهمها وبتأويلها عن جادة الصواب.

ومع هذين القاسمين المشتركين يظهر تناقض صارخ، وهو كيف أن هذه الجماعات تعتمد نفس مصادر التشريع بينما تختلف بالرؤية والتفسير وبالتالي بالمنهج لدرجة تكاد تحسب أن إسلام طائفة شكل مختلف تمامًا عن الأخرى، وهنا أتوقف عند ما طرحته من أسئلة في الأعلى حيث تقع العقدة التي لا نعترف بها بل نعاكسها.

العقدة التي ذكرتها هي طبيعة من طبائع البشرية وسنة من سنن الكون، ألا وهي اختلاف العقل البشري في التأويل والتفسير وفهم النص والأحداث، واختلاف العقل البشري في بناء واختلاق الأفكار والأحداث واختلافه في فهم الصواب والخطأ واختلافه في تقييمه لنظريات الثواب والعقاب وتطبيقهما وغيرها من الاختلافات التي لا تعد ولا تحصى، العقدة التي نقع دائمًا فيها بل ونعاكسها هي عدم الايمان باختلاف العقل البشري، بل ونريد أن نجعل ذلك العقل البشري موحدًا في التلقي والإخراج.

ما تم العمل عليه عبر قرون طوال هو جعل الإسلام فهمًا واحدًا على الجميع التطبع به بحجة النص المقدس الواحد، وكل هذا الاقتتال والتكفير نتج من هنا باعتبار أننا نملك النص الواحد فعلينا أن نملك الفهم الواحد للدين –طبعا وهذا مستحيل بسبب ما ذكرناه عن اختلاف العقل البشري وتلونه في الفهم– ورفض الاختلاف، ولكن ما يفوتنا هو أن هذا النص لا يطبق إلا من خلال تفسير وفهم العقل البشري للنص، صحيح أن الإسلام وفق القيم الإلهية التي نزِّلت على الرسول هو ذو مضمون واحد ولكنه عبر التطبيق والفهم البشري مختلف وهذا طبيعي، حتى الرعيل الأول من عظماء الأمة وبوجود الرسول المتصل بالوحي (أي بوجود الوحي والتصحيح والتعقيب الإلهي للأحداث) ظهر الاختلاف بينهم أكثر من مرة وفي أكثر من قصة في فهم الإسلام كتطبيق دنيوي لدين سماوي وتجلى ذلك في كثير من الحوادث التي نقلتها كتب السيرة، فكيف سيكون ذلك الاختلاف مع انقطاع الوحي وغياب الرسول المشرع والتناقل التاريخي لأجيال متعاقبة وما أضافه كل جيل من فهم –بشقيه الصائب والخاطئ– إلى الإسلام.

القبول بالاختلاف لا يعني الاعتراف والتسليم بفكر الآخرين ولا يعني بالمقابل التكفير والإخراج من الدين ومن ثم الاقتتال، ولكن يعني ببساطة عدم تغطية كل جماعة لفهمها للدين بالغطاء المقدس والاعتراف بأن أفكارها وممارستها هو عبر فهم بشري للنص وهذا الفهم غير مقدس باعتباره بشري، وبالتالي نتحول من الاقتتال على امتلاك الحقيقة المقدسة إلى الحوار على الاختلاف الفكري البشري.

تابعنا على تويتر


Top