داريا؛ مجزرة سوريا الكبرى – لا يؤمنوا حتى يذوقوا العذاب الأليم

24.jpg

((ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب، من يعمل سوءًا يُجز به ولايجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا)).
عشرات الأمثلة، كلها واضحةٌ وضوح الشمس، مرّت من أمام أعيننا ولم نتعظ بها، وأبَينَا إلاّ أن نتعلم من كيسِنا، ظانيين أن عذاب الله سيبقى حوالينا لا علينا. ولكن سنة الله لا تحابي أحدًا من خلقه، وهذا ما كان، وكانت “غلطة الشاطر بألف غلطة”.

نعم مجزرة داريا كانت غلطة الشاطر. فهذه المدينة كانت حريصة طوال شهور الثورة على العمل النوعي والمميز، والمبني أساسًا على استراتيجية أساسها تجريد النظام الطاغي من كل أسباب طغيانه وبطشه.

كانت داريا بشبابها حريصة على التعلم من أخطاء الآخرين وتلافي نتائجها. نجحت في كثير من الأحيان وفشلت أحيانًا أخرى، ولم ترتكب خطأً جسيمًا، باستثناء الخطأ الأخير، الذي تم فيه ضرب مطار المزة ومساكن السومرية ببضع قذائف هاون، من قبل إحدى الكتائب العاملة في المدينة. وأيضًا قرار مواجهة جيش النظام الذي تسبقه دومًا صواريخ مسلطة من الجبال وطائرات تقصف من السماء، وجد النظام من خلالها الحجة (الأكثر من رائعة) ليدخل المدينة ويفعل فعلته الدنيئة، ولتكون مجزرة داريا هي المجزرة السورية الكبرى.

تَنَازُع الناس، سياسيين ومسلحين، على السلطة، كان أهم أسباب مصائبنا. فالكل يحاول فعل شيء يثبت فيه تواجده في الشارع، ولو كان ذلك سيكلف الثورة ما لا يمكن تحمّله. تنازعنا فاختلفنا ففشلنا، فجعل الله عقوبتنا أكبر مما كان يتصور أي مراقب داخلي أو خارجي. أكثر من 600 شهيد ومئات الجرحى وعشرات المفقودين، ما عدا الأضرار المادية الكبيرة، كانت ثمنًا باهظًا دفعناه خلال أيامٍ عجافٍ لم يمر مثلها في تاريخ المدينة.

لم يكن تنازُعُنا على السلطة هو سبب عقابنا الوحيد، ولكن تنازُلنا عن مبادئ ثورتنا كان عاملًا مهمًا في فشلنا.
أيّهما يغيظ النظام أكثر، أن نبقى نقول ثورة لكل السوريين أم أنّ الدم السني واحد؟ في الأول نعمل على تهديم ركائز النظام، وإن كانت النتائج ليست كما نحب ونتمنى إلى الآن. وفي الثاني نُهدي النظام ومناصريه سببًا لقمعنا وقتلنا، ونثبت أنّ ثورتنا طائفيّة، كما أننا نغلق الباب أمام من أراد اللحاق بها.

أيّهما يدمّر النظام أكثر، ثورة تنادي بدولة ديموقراطية تعددية مبنية على أساس المواطنة، أم دولة الخلافة الإسلامية، كما بدأ البعض يسوّق ويمرّر اتفاقيات من تحت الطاولة. وكل ذلك وراؤه ما وراءه من المال والسلاح السياسي. في الأولى نضمن أن يبقى القرار في المستقبل ملك السوريين وحدهم. وفي الثاني نفتح الباب لكل الأقليات، وحتى جزء كبير من التجار والصناعيين المحسوبين على الأكثرية، ليلوذوا بالقوى الخارجية لتحميهم وتضمن حقوقهم كاملة. كما نفتح الباب لسيناريوهات تقسيم جغرافية حسب مناطق تواجد تلك التشكيلات السكانية. فكل شخص وكل طرف وكل طائفة تفهم هذه الدولة (المعلنة في السر) حسب الثقافة التي تربّت عليها.

ظننا أن الانقلاب على مبادئ ثورتنا، مع أنها متوافقة تمامًا مع أركان ديننا الحنيف، ظننا أن ذلك سوف يَمُر مرور الكرام، وأن تسارعنا في اقتسام السلطة شيء يبرره الهدف النبيل.

طبعًا لن ننسى كمية الحقد التي اختزنها النظام ضد هذه المدينة، بسبب ثورتها المميّزة والإحراج الكبير الذي شكله عزاء غياث مطر نتيجة زيارة أكثر من ستة سفراء دول كبرى لخيمة عزائه، وما شهدته المدينة من استمرار للثورة على مدى الشهور كلها، وأخيرًا نجاح كتيبة سعد (التابعة لكتائب الصحابة والعاملة في داريا) بمساعدة رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب في الهرب خارج البلاد. ولكن ما نريد قوله إنّ مجزرة داريا المروّعة كانت عقوبة للشعب السوري، الذي لا تزال تصاحبه مشاكله وأخطاؤه وأمراضه الصغيرة والكبيرة أثناء قيامه بثورته، ولم يستطع حتى الآن أن يتخلص منها. وهي عذابٌ أليم سلطه الله علينا، عسى أن نراجع أنفسنا ومبادئنا ونتعالى عن مصالحنا الشخصية وطموحاتنا الهدّامة.

يقول المثل المعروف: الضربة التي لا تقصم ظهرك تقوّيه. ومجزرة داريا لم تقصم ظهورنا، ولكنها أوجعتنا في الصميم، وسوف نحتاج للوقت الكافي حتى نلملم جراحنا، فتراب مدينتنا كلّه اليوم مخضب بالدماء. وقد مرت علينا أيامٌ سيخلدها التاريخ في ذاكرتنا دومًا.

تابعنا على تويتر


Top