إياد الكوفي وفواز الأسد وهواك..

سنوات طويلة وأنا أحلم بهذا اللقاء، أخيرًا أجلس وجهًا لوجه قبالة إياد الكوفي، كتلميذ يرنو إلى أستاذه رحت أتأمل تقاسيم وجهه، شعره الذي خطه الشيب، ابتسامته التي تبدو تفصيلًا من تفاصيل وجهه (أو صوره الفيسبوكية على الأقل)، أنامله الذهبية التي تخط قصص فواز الأسد. بميكانيكية لا مثيل لها، يستحضر إياد كلمات قصصه عن فواز كما تستخرج حصادة حديثة سنابل القمح في حقل ناضج.

كان الكوفي يهم بكتابة قصة حصرية جديدة من قصص الراحل فواز عندما قاطعته بوجل، تجاسرت وطلبت منه بجرأة لا أعلم من أين استحضرتها أن يقص حكايته على مسامعي بدلًا من أن يكتبها كمنشور على جدران الموقع الأزرق. لم أعرف إن كان قد ابتسم قبل الطلب أم بعده، نظر إليّ بهدوء وبدأت الكلمات تخرج من فمه بآلية ليست بعيدة عن آلية كتابته:

«كنت في الثامنة من عمري، أتأمل البحر من شرفة المنزل عندما رأيت فواز الأسد لأول مرة، أربع سيارات دفع رباعي حديثة بشبابيك سوداء كانت تجوب شارع الكورنيش متعمدة استفزاز المارة بلا سبب، كان فواز غاضبًا لأنه خسر قبل ليلة واحدة خمسة ملايين ليرة في جلسة قمار».

قاطعته: «كيف عرفت الرقم بالتحديد أستاذ إياد؟»؛ وكأنني لم أطرح سؤالًا أكمل حديثه: «صعدت إحدى السيارات إلى الرصيف مرعبة المشاة الذين أخذوا يركضون في مختلف الاتجاهات، كان فواز داخل السيارة يضحك بفجور»، سألته: «هل رأيته من على شرفتك وهو داخل السيارة يضحك رغم شباك السيارة الأسود؟». ساكنًا رمقني، وكأن سؤالي الغبي لم يكن استأنف مجرى حكايته: «استمرت السيارات الأربعة باستفزاز المارّة حتى اجتاحت إحداها بسطة أفوكادو لرجل بسيط كانت مصدر الرزق الوحيد لعائلة تضم ثمانية أطفال»، وبسذاجة لا مثيل لها قلت معجبًا بفحولة صاحب البسطة: «اللهم صلّ على النبي».

كانت عينا إياد تنظران إلى البعيد، وكأن في ذاك البعيد شاشة سينمائية غير مرئية يشاهد الكوفي عليها تفاصيل هذا الفيلم-الحكاية ولا يقوم هو إلا بتحويل ما يشاهد إلى كلمات، تابع: «خلال هذا الاجتياح لمح فواز فجأة صبية في منتهى الجمال، تتكئ على الرمل غير مكترثة بهذا العالم، ظهرها للشارع وعيناها تتأملان التقاء البحر بالسماء، شحطت سيارة فواز «فرامًا» سمعت أصداؤه في مصيف سلمى، وبإشارة واحدة نزل سبعة شبان من السيارات وشحطوا الفتاة إلى سيارته وغابت ليلتها عن المنزل». هنا توجهت له بسؤال لا طعمة له: «وماذا حصل بعدين؟».

لم أعرف إن كان إياد يجيب عن سؤالي أم أنه يسترسل في حكايته «جميع أهل الساحل علموا بالقصة، لكن ما لم يكن يعرفه أحد أن هذه الفتاة كانت كريمة محافظ اللاذقية في ذاك الوقت، كان المحافظ الهلع على مصير ابنته يعرف أن شخصًا واحدًا في هذا البلد يمون على فواز: حافظ الأسد، اتصل المحافظ عبر الهاتف الأرضي بأبي سليم دعبول وشرح له المشكلة، فنقلها الأخير لحافظ الذي استدعى قريبه إلى دمشق».

مذهولًا أنا من معرفة إياد بأدق التفاصيل، تابع هو غير عابئ بوجودي أساسًا: «اختلى حافظ بفواز في غرفة جانبية وقال له مؤنبّاّ: تقلت العيار ابن العم، أبقا تحرجني. فأجاب فواز: كنت مفكرها صبية من هالشعب سيادة الرئيس، بوعدك صير اتأكد من هوية البنت بالمرات الجاية. فضحك حافظ بصوت عال وأتبعه فواز بضحكة مجلجلة».

دفعني حسّي الصحافي لتوجيه سؤال يتوخى الدقة: «إذا كان حافظ قد اختلى بفواز فكيف عرفت بما دار بينهما من حديث؟». تأملني إياد وكأنه يكتشف وجودي للتو، وللمرة الأولى شال أحد أسئلتي من أرضه وأجابني بسؤال: «أنت تريد العنب أم الناطور؟» وتركني أفكر بإجابة لن أجدها فيما باشر بكتابة قصة جديدة من قصص فواز الأسد على بروفايله.

تابعنا على تويتر


Top