يا ليتني متُّ قبل هذا..  ولكن ماذا بعد الشهادة؟

_مت.jpg

أن تبدأ ثورة كرامتنا، وتحصد معها الآلاف من المعتقلين والمغيّبين قسريًا، وكذا المحاصرين والمهجّرين، أمر بات عصيًّا علينا استيعابه، والأصعب تحول أبناء الشعب إلى مجرد أرقام، يحلمون بميتة سوية لا بعيشة هنيّة، في ظل الرصاصة الموجهة إليهم من قبل كل الجبهات، فقد بات الموت حلمًا لكثر، علّه يخرج صاحبه من بين قوسين حصر بهما.

والسؤال يطرح نفسه مع كل قطرة دمٍ تراق على هذه الأرض، ما هي الرسالة التي أراد الشهداء توجيهها إلينا نحن الصمّ المخاطبون، بعد أن شهدوا أن لا أرض تستطيع حمل ظالم؟

قيل: ثلاثون ألف شهيد، أو خمسون ألفًا، أو أكثر أو أقل، ومع أن المجال بين الرقمين واسعٌ، إلا أن كلمة الآلاف هذه ضئيلة أمام ما يحفر في ذواكرنا من ذل وقهر، وموت ونحن على قيد الحياة حتى اللحظة.

قد دنا الأجل، والألم يعتصر قلب الأم، قبل أن يغيّب القدر ولدها، فتمسك السيدة أم أحمد بابنتيها التوأم، اللتين يفصل بينهما عدة سنتيمترات في الطول، دون تلكم المسافة في رصاصات القناص عنهما، وعمرهما لا يتجاوز الخامسة، وترفض أن تسلّم جثمانهما لمسؤولي دفن الموتى.

وبعد إلحاح الجميع عليها، وافقت ودموعها تختلط مع دمائهم «من شان الله احملوهم منيح.. أمانة ما تحطوا تراب ع وجوههم بخافوا من العتمة.. أمانة ما تغسلوهم الدنيا باردة كتير.. وخلوهم لابسين تيابهم الجدد ما فرحوا فيهم.. وخلوهم سوا ما بيقدروا يقعدوا بدون بعض.. يا ريتني متت قبل هاللحظة.. ياريت كان يومي قبل يومكم».

ويندر أن تمر ساعة دون خبر موت أحدهم، والأكثر ألمًا حتى الآن، أولئك الموتى بمجازر صامتة، وتحت التعذيب، فلا تدري الأم أتحزن على خبر وفاة ابنها في سجون الطغاة، أم تفرح له أن نجا من آلة التعذيب وأن خلّصه الله من مكان يأتيه فيه الموت من كل جانب، ويصبح جل أمنيتها أن تستلم جثمانه، بعد أن كانت تحلم بضمه عند عودته.

رثاء إحدى الأمهات في الشرطة العسكرية في القابون، عندما أخبروها نبأ وفاة ابنها في معتقلات الأسد، زلزل أقدام الواقفين، بين باكين معها ومصبّرين لها، وبين عناصر الأسد الذين هرعوا لتفرقة الجموع، وإخراج الأم لمنعها من إثارة الشغب والضجة على حد تعبيرهم.

تصرخ «يا ودود حلفتك بداوود.. ما تاكل أبو عيون السود… تبلى عيوني بالعمى يا خالد.. شو بدي قول لأولادك.. لمين بدهم يقولوا بابا.. شو بدي قول لأخوك بس زورو بسجن صيدنايا.. قتلوك يا بعد عمري.. قتلوني معك يا أمي.. يا ريتني متت قبل هاليوم.. ريتهم أخدوا عمري وعطوك ياه».

ولكن وإن كان الشهداء قد وقّعوا ميثاق كرامتنا بدمائهم، وجلسوا تحت أرض نطؤها نحن وقاتلهم بأقدامنا، يدعوننا نحن مقعدي التاريخ للقيام من تقصيرنا وهواننا على قاتلهم، أوليس بكاؤنا وتخاذلنا وتفرقنا ظلم لهم مرة أخرى؟ فهم ناضلوا وكانوا على يقين بأن النصر حليفهم، في حين كنا نحن متوجسين من الهزيمة، وما أقساها هزيمتنا بأسر ذواتنا في صور ومشاهد مؤلمة نعايشها في انتظار موتنا.

دعونا نخرج من تخاذلنا فإن كان لكل ثورة وجهان: «الدم والرسالة»، فعزاؤنا بمن اختاروا الميتة الحمراء، لا لنصنع عزاء لهم ونعلن حياتنا حدادًا ومأتمًا أبديًا بعدهم، ونتحول إلى مسخ في زمن قهر فيه الرجال، بل لنحمل الرسالة علّ صوتها يصل بين الأموات المتحركين، فتمتلئ شرايين جيل جديد قادم دمًا ينبض بالحياة لا بالموت.

تابعنا على تويتر


Top