%55 من الفلاحين فقدوا أراضيهم أو نزحوا عنها

الواقع الزراعي في سوريا.. تصحرٌ شتوي أم ربيع سيزهر؟

11121913_1633195486902289_257983734_n.jpg

«ها هي أرضي بورٌ محروقة، وما لم تحرقه قذائف النظام وصواريخه من الشجر، قطعته لنطبخ ونتدفأ في الشتاء»، بهذا بدأ أبو علي كلامه متحسرًا على أرضه التي يعمل بها منذ 40 عامًا بينما يقدر عمرها الزراعي بـ 12 ألف عام.

اشترى أبو علي أرضه في الشيفونية إحدى ضواحي مدينة دوما عام 1976، لم يبخل عليها ولم تبخل عليه، لكنّ الحرب أجبرتها على الشحّ وحرقت خيرها كما يقول، «كنت أزوّد السوق بالمشمش والثمار الصيفية، الباذنجان والبندورة والفليفلة البلدية، البئر في أرضي كان يسقي أراضي الجوار لغزارة مائه، لكنه ردم بعد غارة جوية هناك، لم يتبق لي إلا أن أنقذ بقية الأشجار بقطعها، وهذا ما فعلته».

أبو علي لم يترك الزراعة وحيدًا، إذ تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 55% من فلاحي سوريا هم اليوم على شاكلته، إما فقدوا أراضيهم أو نزحوا عن قراهم لأنها باتت جبهات حربية، الأمر الذي ينبئ عن كارثة زراعية في بلد زراعي.

الإحصائيات والبيانات الصادرة عن المنظمات العالمية لا تقول أقل مما قاله أبو علي، فمنظمة الغذاء العالمي تشير إلى تراجع إنتاج سوريا من القمح بنسبة 65% عن معدلاتها السنوية ليصل إنتاجها إلى 1.6 مليون طن في 2014 مقارنة بأربعة ملايين طن كمعدل سنوي معتاد وهو نتيجة إجبارية لتقلّص المساحات المزروعة بالقمح -المادة الغذائية الأهم- إلى 60% عمّا كانت عليه قبل خمسة أعوام.

بينما انخفض معدّل الهطل المطري بنسبة 41% في مجمل الأراضي السورية، وتراجع معدل ادخار الماء في السدود إلى 40% حسب وزير الموارد المائية في حكومة الأسد.

وإذا كانت الأرقام الرسمية الصادرة عن هيئات حكومية بهذا الشكل، فإن الواقع أقسى بالتأكيد كما ينقل الفلاحون، وإن كان الحال الزراعي في أماكن سيطرة النظام -بعدته وعتاده وإمكانياته- على هذا النحو، فهي في الأماكن المحاصرة أشد وطأة حتمَا، إذ يقدر مهندسو الغوطة الشرقية أن أراضيها فقدت ما يزيد عن 55% من أشجارها حرقًا وتحطيبًا بعد عامين من الحصار؛ ويقول المهندس الزراعي محمد أبو وليد «يهدد التصحر الكثير من الأراضي مثل مزارع المرج والشيفونية، إضافة إلى فقداننا مساحات خضراء هامة لصالح جبهات القتال مثل البحارية والعبادة والدير سلمان وهو أمر يجني نتائجه أهالي الغوطة المحاصرون أولًا بأول ﻷن الأرض هي مصدر غذائهم الوحيد في ظل الحصار”.

ورغم ما ترسمه النسب والإحصائيات الآنفة الذكر من صورة شاحبة، إلا أن بوادر الخير موجودة في الأرض، هذا ما لاحظه كثيرون من أهالي الغوطة لا زالوا يبذلون الجهد لئلا تموت مزروعاتهم.

الحاجة أم زهير زوجة فلاح لازال متمسكًا بأرضه في مزارع مسرابا، تخبرنا أن الأرض صارت تعطي أكثر «الأرض اليوم صارت تشبه أيام زمان”، وهو تناقض له ما يفسّره حسب الأستاذ أبو وليد «قلّة عدد الفلاحين العاملين في أراضيهم مقارنة بالسنوات السابقة، وقلة نسبة الأراضي المزروعة من إجمالي المناطق الزراعية في الغوطة جعل استجرار هؤلاء للمياه أقل، المياه الجوفية اليوم تفيض عن حاجتهم وظهرت العديد من المسطحات المائية نتيجة لمياه الأمطار وفيض المياه الجوفية؛ هناك أنهار عديدة عانت من جفاف سابقًا نراها اليوم تعود، مثل نبع حروش، هذا من فضل الله ورحمته بالعباد».

يوافق أبو زهير رأي الأستاذ محمد، لكنه يزيد عليه إذ يرى أن الأرض صارت تعطي أفضل ما لديها عندما عاد الناس للوسائل الطبيعية «اليوم لا نجد سيارات أو كهرباء أو محروقات في الغوطة، صار الحنطور والحصان وسائل تنقلنا بالإضافة للدراجات، لا مكيفات ولا برادات ولا شيئًا مما عرفناه في العقود الأخيرة، عدنا لكل شيء قديم ومن الطبيعي أن تعود الأرض أفضل».

هي الحرب تراها تأتي لتردم واقعًا، لكنّ الشعوب بعدها يبنون واقعًا أكثر جدراة بالحياة.

تابعنا على تويتر


Top