«أم عنتر».. 84 عامًا وحيدةً تتحدّى الحرب

_عنتر_1.jpg

خطّ الزمن على وجهها آثار العمر المرير، ورسم على ملامحها شقاء وعناء 84 عامًا؛ وحدتها المفرطة واليتيمة تشكل «مأساة حقيقية»، هل حقًا هناك أحد يشيخ بمفرده، ويعانق شيخوخته وحيدًا كل يوم، ويختبر فقدان عمره الطويل تحت البراميل والميغ والقصف المستمر؟

أم عنتر ذاكرتها كفتاة شقيّة تستذكر كل التفاصيل والتواريخ والحكايا، تلك العجوز المسنّة من جبل الأكراد، وبالتحديد قرية كنسبا، تملك حديثًا جميلًا حتى يخالها الأهالي «أم سكر»، أمضت ستّين عامًا وستة أشهر وهي تلقب بأم عنتر، ولكن ليس هناك وجود لـ «عنتر» ولم ترزق بأطفالٍ حتى.

أم عنتر وحيدة منذ 10 أعوام، بلا معيل ولا مساعد إلا الله وأصحاب الخير، كما تقول، أمضت زمنًا طويلًا تتنفس هواءً ينقذها كي تكمل مشوارها في نثر السكر أينما حلت.

وعانت العجوز ظروف الحرب بمفردها، وعايشت خوفها ورهبتها من القصف الذي عبرت عنه بسلاسة الأطفال: «والله يا بنتي كل ما بسمع صوت الطيارة بطلع من البيت وبوقف بساحة الحارة… أنا ما بخاف من الموت لأن ما ضل من العمر شي؛ الي بيخوفني يشيلوني قطع قطع من تحت الأنقاض، يا بنتي موت قطعة وحدة أحسن».

تحمل عكازها كلما سمعت وقع أقدام المقاتلين في حارتها وتنزل إليهم علّها تسمع خبر انتصارهم وعودتهم سالمين «بخاف عليهم وبضل عم ادعي الله يحميهم ويرجعوا منصورين سالمين، بضل ملهوفة لأعرف الخبر»، وتردف «أفرح بنصرهم وبرجعتهم وبسأل على الي غايب منهم، بزعل عليه وبفرح لما بيحكولي إنه عند ربه شهيد».

حرمانها من الولد لا يعكّر صفوها سوى أنها حرمت من مقاتلٍ في صفوف الثورة «وبتمنى يا بنتي لو كان عندي ولد يحمل سلاح متل هالشباب واعتبره عند ربي شهيد».

تعيش أم عنتر اليوم في غرفة صغيرة قسمتها إلى كل ما تحتاجه في المنزل، لكنها تمضي أيامًا متتالية بلا غاز أو حطب أو كهرباء، بلا طعام أو دفء وتفتقر للحنان والرحمة والمعاملة الحسنة، تشكر معاملة البعض وتشكو من البعض الآخر.

لا تملك أم عنتر اليوم غير الشكوى إلى الله عن «سوء الأحوال في الحرب والتهجير»، إلا أن لحظات الحرب هذه لا تمنع أحدًا منا عن اعتبار أم عنتر وأمثالها جدة أو أمًا يرعاها، ويستمع إلى حكاياها كل حين؛ فجلّ ما تحتاجه شخصٌ يستمع لها ويشعرها بأنها لن تموت وحيدة.

تابعنا على تويتر


Top