زمن اللحشات الحمراء

في روايته «زمن الخيول البيضاء»، يصوغ الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله ببراعة، الزمن الفلسطيني السابق للنكبة، بدءًا من العقود الأخيرة للحكم التركي وصولًا لهزيمة جيوش الإنقاذ العربية عام 1948.

يصف نصر الله بسردٍ مشوق الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السابقة للنكبة، والتي أسهمت، وإن بشكل جزئي، في حدوثها.

بشكل غير مباشر، يضع نصر الله أحيانًا بطل الرواية خالد الحاج محمود ابن قرية «الهادية» مقابل سليم بك الهاشمي، المحسوب على الشخصيات «الوطنية» الفلسطينية خلال سنوات الانتداب البريطاني، ثمة مقارنة بين نضال الحاج محمود ضد المستعمرين الإنكليز وطلائع المستعمرين اليهود، وبين اهتمامات سليم بك الذي يرتدي الخدم في قصره الريفي زيًا أزرق يتناغم مع ديكور القصر الأزرق.

يخوض خالد الحاج محمود نضاله بأصالة بظروف تنطلق مما يحكم الوضع الفلسطيني، بسلبياته وإيجابياته، يخوضه بالقيم الفلسطينية على اختلاف تقييمنا لهذه القيم، بدسائس الحياة القروية وتكافلها، بشجاعته وشهامته وتعبه، بتضحيات البعض وأنانية البعض الآخر، بالبساطة المفيدة أحيانًا والمضرة حينًا. بينما يعيش الساسة الفلسطينيون في عالم آخر، حيث السعي للمكاسب الشخصية والسهرات والحفلات التي ينظمها الحكام الإنجليز.

لا يمكن لقارئ سوري للرواية اليوم أن يتجنب مقارنة ذلك الوضع بما مرت وتمر به الثورة السورية؛ من الائتلاف الذي تحول إلى ساحة للمنازعات الإقليمية والمكاسب الفئوية الضيقة والأداء الكارثي، إلى هيئة لا تقل كارثية عن الائتلاف، إلى معارض لم يتخلّ عن منصبه في هيئة إلا بعد تسميته رئيسًا فخريًا، إلى آخر يحرد عبر الفيسبوك، إلى تيار يقاطع مؤتمر موسكو ليس لأن موسكو وسيط غير حيادي مثلًا، أعوذ بالله، بل لأن الزعيم التاريخي والقائد الأوحد لهذا التيار منع من السفر إلى روسيا، «فخلص بلاه المؤتمر من أساسه».

يتحدث سمير العيطة أن بشار الجعفري «أهان.. آلاف المواطنين السوريين وعائلاتهم عندما رفض استلام قوائم بأسماء 8884 معتقلًا ومفقودًا قدّمت له في لقاء موسكو التشاوري».

ونحن نسأل الأستاذ سمير: إلى من توجه إهانتك أنت عندما تتحدث عن 8884 معتقلًا في السجون علمًا أن رقم المعتقلين قد يصل لعشرات أضعاف هذا الرقم؟ ومِن مصلحة مَن هذا الاختصار المهول بالرقم؟ وعقل من ذاك الذي يُهان عندما يتوقع معارض سوري من النظام السوري الإفراج عن معتقلين بعد تسليم قائمة بأسمائهم؟ وإلى من يوجه النظام، ومن خلفه موسكو، الإهانة عندما يتم إرسال الجعفري الذي لا يمون على دائرة في الخارجية السورية على رأس وفد النظام مقابل توجيه الدعوات للصف الأول من قادة المعارضة؟ وإلى من توجهت إهانة الروس عندما ضم وفد المعارضة كاركترات مثل مجد نيازي وسهير سرميني أو حتى فاتح جاموس وقدري جميل (يبدو التساؤل عن غياب بسام القاضي عن هذه الجمعة اللطيفة مشروعًا)؟ ومن المهان عندما يُقبل أن تكون موسكو المنظم الأوحد والمنفردة بالوساطة في الشأن السوري؟

مع وفاة خالد الحاج محمود، وفرسه البيضاء، يبدو «زمن الخيول البيضاء» قد ولّى إلى غير رجعة، لم يحدد إبراهيم نصر الله صفة للزمن اللاحق للنكبة، أما زمننا الحالي فعلى الأرجح أنه زمن اللحشات الحمراء.

تابعنا على تويتر


Top