برّا وجوّا وما بينهما

إذا تواصلت مع ناشط مقيم في الغوطة مثلًا، هناك تحت الحصار والتعب والقصف والبطالة المزمنة، فإنه قد يطرقك بهدلة من كعب الدست إذا أتيت على مصطلحات «برّا» و «جوّا»، وسيبدأ هو قبل أي أحد آخر في البحث لك عن ألف تبرير وتبرير لسفرك ومغادرتك البلد. وإذا تواصلت مع معارض مقيم في منطقة يسيطر عليها النظام، لكنه ما زال يحاول أن يقوم بأي جهد كي يساهم في الثورة وليناضل ولو بالسر والخفاء، فإن النتيجة ذاتها، بهدلة من كعب الدست، أو على الأقل فإنه سيعض على جراحه متجنبًا أي عتب أو لوم.. على العكس سيتجنب أن يحرجك ولو بكلمة عابرة.

لكنك في تواصل مع مقيم تحت سقف الوطن، أو معارض تائب، أو رمادي على رأس عمله وعين الله عليه، ويمارس من النشاطات والفعاليات ما لم يكن بعمره يحلم أن يمارس لولا الثورة تحديدًا، وعلى الرغم من تعاطفك الصادق معه ومع ظرف الحياة الصعب الذي يعيشه من الغلاء والهاون والأمراض وغيره وغيراته. إلا أن مقاربته لك ستكون مغايرة تمامًا، فمثلًا، عندما تفتحان سيرة برشلونة وريـال مدريد، يذكر لك أنه من مشجعي البارسا، وعندما تجيبه أنك من مشجعي الريـال، فما إن تلفظ اللام في الريـال أو حتى قبل لفظها فإنه سيسلخك جملة من كعب الدست أيضًا: «أنتم جماعة برّا بتشجعوا الريـال ولا تحسون بما يحصل فينا هون». (طبعا الأنتم في جملته تشمل نحو 5 مليون بني آدم بس ما غير، ما بين أوروبا والخليج ودول الجوار ومخيمات اللجوء).

وإن بحبشت عزيزي القارئ بين أولئك المزاودين في قصة ّجوّا وبرّا فتالله إنهم ثلاثة أصناف: إما شخص ذو شعر رمادي ونعل رمادي وبنطال رمادي وكنزة رمادية وشفتين رماديتين وبشرة رمادية، أو معارض سابق آثر أن يتوب عن آثامه السابقة في معارضة النظام، أو كائن نصف مؤيد نصف صامت، النصف العلوي من جسده لإنسان والنصف السفلي لفرس. بالطبع، على هذا المزاود أن يتسم بهذه المجموعة من السمات: على رأس عمله، يقطن بمناطق النظام، وفي معظم الأحيان ما زال يسافر ويقبض بالقطع الأجنبي. وهو لا يتذكر خلال مزاوداته أن آراءك بالنظام وبالثورة وببرشلونة وريـال مدريد ما تغيرت بين ما  كنت «جوّا» وبعد ما طلعت لـ «برّا».

ملاحظة1: مثال برشلونة وريـال مدريد مجازي وأنا لست من مشجعي أي منهما.

ملاحظة2: ثمة عالم برّا تزاود على عالم جوّا وخاصة في مناطق سيطرة النظام، ولا تراعي ظروفهم القاهرة وتطالبهم بما يشيب له حسن عبد العظيم وهيثم المالح، بل وتريد لحياتهم أن تتوقف، فللحديث تتمة.

تابعنا على تويتر


Top