لا يموت فيها ولا يحيا

111.jpg

بيلسان عمر

قرأت لأحدهم أنه مع كثرة الموت حولنا يموت شيء ما بداخلنا؛ ودرج في الحرب أن اليوم الذي سيأتي أسوأ من سابقه؛ ومع توالي أيام الحرب علينا، بلغ بي التساؤل: أين حالنا من واردي جهنم، لا يخفف عنهم من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا؟ أيمكن للنفس البشرية أن تتقمص الحياة والموت في آن معًا؟

فأين الحياة من أم وأب وأطفالهم الثلاثة، هُجّروا من منزلهم ورَجوا ملاذًا في غرفة استأجروها -بشق الأنفس- في حيّ «شعبي»، فبعد عناء البحث والصد والرفض «تكرم ابن حلال» وأجّرهم الغرفة بعشرة آلاف ليرة شهريًا.

غرفة بدون منافع، علبٌ تحوي عينات من الطعام تصطف على رف خشبي هو المطبخ، وسخانة للطبخ عند توفر الكهرباء، وغداؤهم «نواشف» في غيابها، «التواليت» هو كرسي متحرك تحته وعاء، يُفرغ في النهر المجاور للغرفة، وحمام شهري عند الجيران و»أولاد الخير»… هكذا تروي الأم تفاصيل حياة العائلة، ولا زلت أبحث عن مقومات الحياة في هكذا غرفة وفي هكذا معيشة… بل واستدرك تساؤلي، فلا أبحث عن الحياة، بل عما إذا كانت حالة من الموت الطبيعي؟

وناهيك عن موت الإنسانية في أحدنا حد ابتذاله كرامة أخيه لهذه الدرجة، يموت في آخر الثقة بالأمل ذاته؛ «أنا ضحية حرب… وإنني الأكثر تضررًا منها. أُمني نفسي، وأقنعها، بأنه وسام شرف، فابتلاء المرء على قدر دينه… أما هكذا علمونا؟»

هكذا تتعلق ريم مترنحة بين ما تمني النفس به وبين حقيقة ستودي بها مواجهتها إلى الجنون. فلم تجبر ريم على إخلاء منزلها في منطقة «ساخنة» فحسب، بل وشهدت إحراقه من قبل «الأمن» السوري الذي اقتاد زوجها أسيرًا؛ وفي ذات اللحظة يأتيها نبأ استشهاد والد زوجها، فتمسك أيادي أبنائها، متمسكة ببقايا الأمل، تعزم على أن تتجه بهم بعيدًا عن الدماء والدمار.

أيام بعد وصول ريم إلى منزل أهلها في مدينة أخرى في الريف الدمشقي، يعتقل أخواها، ثم يقضي زوج أختها برصاصة قناص، فترحل أختها بعيدًا عن هذه البلاد وتبقى ريم مترنحة بين الثقة بالوعد بعد الابتلاء، وبين الإذعان للجنون.

وهناك… حيث يقبع زوج ريم وأخواها، وآلاف آخرون وقعوا فريسة الاعتقال، يفتك المرض بأحدهم فلا يطاله دواء ولا علاج، ويحس الكل بألمه إلا «شياطين الإنس» التي ترصد المكان وتشبع من فيه شتمًا وضربًا، فلا يسعهم سوى أن يستلهموا الحياة من زوايا المكان الغارقة بقهر الرجال.

وما أتت الصور المسربة إلا لتثبت حقيقة ما تواترناه من قصص عن الذين ماتوا تحت التعذيب، عن أخ قضى بحضن أخيه، وشهيد لم تشيّعه سوى عيون المعتقلين الدامعة الحالمة بالخلاص موتًا، لربما أكثر من حلمها بالانعتاق والحرية.

وإلى وجهة أخرى، أشاح الإعلام عنها سهام ناظريه، يسلب ما تبقى من حياة في النفس البشرية الجسدَ البشري شيئًا فشيئًا؛ فرامي الذي رأيته بعد العمل الجراحي يقوي ما تبقى من جسده بما تجود عليه الشمس من طاقة، كان وضع إعلانًا لبيع كليته بغية تأمين لقيمات لا طائل له بها لسد رمق أطفاله؛ ومثله كثيرون، عجزوا بغير ذلك عن تأمين إيجار بيت، أو مبلغ يقدمونه لـ «تجار الحرب» بغية الإفراج عن معتقل.

رأيت رامي وقتها وتمنيت أن أموت ولا أحيا، لأعرف بعد ذلك أن هناك من يشاركني الأماني. سيدة تتشارك الإقامة وأطفالها الأربعة غرفة مع والد زوجها المعتقل، وأخويه وأختيه. لا موت يأتيها فيكون رحمة، ولا رحمة تحاكي قلب والد زوجها فينفق مما يملك ليفك ضائقتهم.

تحلم هذه السيدة بزنزانة منفردة، وترجو رحمات تحكمها بما حكم به على زوجها المعتقل، فذاك سيكفيها –باعتقادها، وظلمها سيكون من ظالم غريب، لا ممن يجري في شرايين أبنائها دمه.

وكما ليس لهذه السيدة سوى الأماني، ليس لغيرها سوى ذكريات الماضي وانتظار القادم؛ «منذ اللحظة الأولى لاعتقال أولادي وأنا أحمل صورهم في محفظتي، وأقبّلها كل مساء.. بل كل لحظة، أتباهى بها أمام جاراتي، وأحدثهن عن تفاصيل أيامي معهم، أجوع علّ يومًا يأتي فأشبع فيه برؤيتهم، وأعطش ظنًا مني بأن حلاوة الصبر تكفيني، وأبرد علّ نصيبي من الدفء يتسلل إلى مهاجعهم»، هكذا لوعة الأم… تميتها كل يوم مرات ومرات قبل أن تعرج روحها إلى السماء، تتمسك ببقايا الأمل، لا تحيا في غيابهم، ولا تريد أن تموت قبل رؤيتهم، لا مجرد صورهم.

وماذا عساي أقول لمن قد لا يسعفه الأمل فيقضي صريع الانتظار، ولمن ضاق وقت الفصائل والسياسيين والإنسانية جمعاء عن الوقوف عند همومهم؛ فلمَ على هؤلاء إهدار وقتهم الثمين على صغائر حلولها متاحة: «فليأكلوا الكعك»، فليستخدموا الـ «التاتش» والمحارم المعطرة وليحصلوا على قسطرة بولية.

كنت أخال الإنسان إما حيًّا وإما ميتًا، إلا أن اعتقادي هذا دمرته الحرب بعد أن أضحى الإنسان ذا قدرة عجيبة على الموت بينما هو على قيد الحياة، أو لربما على الحياة في قعر قبر مظلم موحش، ما الحياة فيه إلا جنائز «شهدائنا» و»قتلاهم»، وكلنا فيها لا يموت ولا يحيا.

تابعنا على تويتر


Top