«كانت تصرخ: ما بدي موت.. ما بدي موت»

نار الحرب تطارد السوريين في كوابيسهم

Untitled-141.jpg

«كنا في بيت جدتي جميعًا والعائلة أخيرًا في بيت واحد، ناداني والدي ﻷشاهد معه غروب الشمس، واقفة إلى جانبه أتأمل اللونين البرتقالي والأحمر عندما اصطدمت مئات الصواريخ العنقودية وتناثرت، لم أستطع أن أحتمي بشيء، شظايا لا أستطيع إحصاءها اخترقت جسدي… صرخت باسم أبي عدة مرات، لم يرد علي ولم أستطع الالتفات، حركة جسمي تتخامد وذراعاي ثقيلتان؛ هو الموت كما يبدو.. سأستسلم له».

ليست المرة الأولى التي تعاني فيها ليلى، وهي جامعيّة عشرينيّة، نزعات الموت، فهي تجرّبه كلّ ليلة تقريبًا في كوابيسها قصفًا وقتلًا واعتقالًا ونزوحًا، لتعيش عائلتها معها كلّ ذلك صباحًا عندما ترويه أو ليلًا بصراخها «كانت تصرخ: ما بدي موت ما بدي موت عندما دخلت غرفتها وأيقظتها… استغرق الأمر نصف ساعة لتهدأ وتستعيد وعيها، هذه الكوابيس تراودها منذ كنا في سوريا ورافقتها بعد خروجها بشكل أشد” وفق ما تنقله لنا والدتها.

كما أنها ليست وحيدة في هذا الصراع، فهي فردٌ من ملايين السوريين المهجّرين من مدنهم وقد أثرت فيهم الحرب بشكل أعمق من المتوقع، فظهر هذا الأثر بإشارات كثيرة قد تكون ظاهرة معلومة لصاحبها كسلوكيات معينة أثناء النهار، أو أنها تختبئ في لا وعيه لتطارده في نومه مثل الكوابيس.

محمد، جامعيّ أيضًا يدرس في ألمانيا، يقول إن الأحلام بالاعتقال كانت تتكرر بشدة عقب خروجه من سوريا «رغم أنني لم أعتقل من قبل، لكن الكثير من أصدقائي ومعارفي اعتقلوا ما جعل المرور على الحواجز هاجس رعب، يلاحقني حتى اللحظة بعد عامين من تركي لبلدي ومنزلي».

يستغرب محمّد أن الأحلام لا زالت ترافقه بعد عامين، لكن الاطلاع على الدراسات والتجارب النفسية والاجتماعية سيجعل استنكاره يتلاشى، إذ قام الدكتور ريتشارد موليكا، موجه برنامج الصدمات عند اللاجئين في جامعة هارفارد، بأبحاث على مدى ثلاثين عامًا لمراقبة آثار الصدمة على الناجين من الإبادة الجماعية في كمبوديا في سبعينيات القرن الماضي، وقارنها باختبارات أخرى لأفراد كمبوديين كانوا يقيمون في تايلاند ولم يشهدوا الحرب.

ويقول الدكتور موليكا: «كانت الفروق غير عادية بمعنى أن هناك معدلات عالية جدًا من الاكتئاب تصل إلى قرابة 50 % من الناس الذين يعيشون في كمبوديا بعد 25 سنة من الإبادة الجماعية، بينما كانت نفسيات من لم يعيشوا الحرب في تايلاند طبيعية مماثلة لبلدان أخرى كأمريكا».

وما أثبتته الدراسات أن تجارب الحياة المؤلمة قد لا تظهر مباشرة، لكنها تزرع بذور أمراض خطيرة في حياتك قد تراها بعد 25 عامًا».

ولئن كانت الآثار النفسية واضحة على الشباب والكبار، فهي عند الأطفال أشد وأكثر وضوحًا، يتحدث أبو هشام، وهو سوري مقيم في تركيا منذ عام، عن صيحات ابنه وفزعه كلّما أقلعت أو حطّت طيارة من مطار محليّ قريب من مسكنه.

«لا يمكنني تغيير مسكني حاليًا، التجارب التي عشناها في الغوطة تحت القصف، بالإضافة لتجربة خضتها مع عائلتي في مدينة عدرا، واستشهاد ابني البكر، كل ذلك أثر في أبنائي»، يقول أبو هشام موضحًا «يعاني ابني من هلوسات ليلية إضافة إلى رعبه من أي صوت مفاجئ».

وفي ردّ له على سؤالنا إن كان قد توجه إلى مركز صحة نفسية لعلاج ابنه، أخبرنا أبو هشام أنه لم يفكر بوجود حاجة لهذا «كما أن صعوبات اللغة في المنطقة التي أقيم فيها لا تشجعني على خطوة كهذه».

الأستاذة ليلى العطشان خبيرة علاج نفسي، ومدرّبة معتمدة للمدربين في برامج الأمم المتحدة واليونيسكو، أخبرتنا أن الأحلام هي «البارومتر» الأول للدلالة على الأذى النفسي الموجود عند من يتعرضون ﻷزمات؛ الحرب تغير الموازين النفسية وتتلاعب بـ العيارات».

وتردف «أدري حجم المعاناة، هناك ملايين حقيقة يحتاجون للمساعدة وللجلسات العلاجية، لتفريغ كل ما مروا به من آلام، يجب أن يشاطروا هذه الذكريات مع أحدهم ليتخففوا منها، يجب علينا مساعدتهم».

ولعل عجز المنظمات الدولية عن تغطية أضرارها بمختلف النواحي، يدفعنا للتفكير بسبل ذاتية بسيطة نعين فيها أنفسنا ومحيطنا، كما تفعل ليلى حاليًا «أقرأ كتبًا في تحفيز الذات، أحاول أن أستغرق بعيدًا عن الأخبار وآلام الحرب، وأتجه لنسيان الذكريات التي تلاحقني، أتدرب على التفكير الإيجابي قبل النوم وأشاطر بعض أصدقائي آلامي ودموعي، علّ هذا يخفف من معاناتي الليلية».

 

تابعنا على تويتر


Top