إبادة الأرمن وسوريا الهشة

محمد رشدي شربجي

بعد انهيار أبرز الإمبراطوريات في الحرب العالمية الأولى (العثمانية، الروسية) صعدت «الدولة-الأمة» لتشكل الركيزة السياسية الأساسية الأولى لبناء الدول، وبعد أن شكل الدين أساس الإمبراطوريات، اعتبرت القومية بعد الحرب العالمية الأولى العامل الأساسي في تشكيل الأمة، وفي سبيل صناعة أمة متجانسة قوميًا شنت الأكثريات القومية حملات؛ غالبًا ما كانت عنيفة ضد الأقليات القومية، التي كانت بدورها تطالب بدولها وفقا لذات المنطق «الأمة-الدولة».

يشرح السياق العمومي السابق الحملات التركية ضد الأكراد والأرمن في تركيا الحالية، كما يشرح السياق نفسه تشكل ما يعرف بالأقاليم الرخوة جيوبوليتكيًا التي ظهرت على حواف الإمبراطوريات السابقة.

يعتبر الإقليم الذي يضم سوريا من أبرز نتائج الحرب العالمية الأولى، وهو إقليم يوصف بأنه رخو، بمعنى أنه يتأثر مباشرة بما يحدث في المستوى الأعلى «المحيط، والدولي»، حيث لم تخضع الدولة السورية لمنطق «الدولة –الأمة» في تشكلها، فلا وجود تاريخيًا لـ «أمة» سورية، وإنما هي مجموعة من الشعوب أوقع الحظ العاثر بعضها على «الجانب الخاطئ من الحدود» بحسب تعبير الفيلسوف ويل كيمليكا مثل الأكراد في سوريا، أو أن بعضها جاء نتيجة هجرات من دول محيطة مثل الأرمن وجزء من الأكراد.

قبل يومين، أحيا الأرمن حول العالم ما يعرف بأحداث 1915، وقد أثارت القضية هذه السنة قدرًا غير قليل من النقاش حول العالم، ولكنها في سوريا أثارت نقاشًا مختلفًا سياسيًا في عمقه.

تطالب أرمينيا باعتبار ما حدث إبادة جماعية، في حين أن تركيا ترى تلك الأحداث حربًا بين طرفين سقط خلالها ضحايا أتراك وأكراد كما سقط خلالها أرمن، ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط، وتعرض تركيا فتح أرشيفها العثماني أمام الخبراء لإثبات الحقيقة، كما أن مطالبة تركيا دون غيرها بالاعتراف بجريمة فعلتها دولة كانت موجودة قبل مئة عام يزيد من قناعتها بأن المقصود ليس التعاطف الإنساني وإنما إذلال تركيا كدولة مسلمة صاعدة.

يتجه الاتحاد الأوروبي لاعتماد الرواية الأرمينية، وهو بذلك يضع العقبات أمام تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي، حيث سيتحتم على تركيا إذا رغبت بالانضمام، الاعتراف بما حدث كإبادة جماعية، لأن هناك دولًا داخل الاتحاد شرعت بالفعل هذا الأمر.

ولكن ما هي تبعات اعتراف تركيا بالجريمة كإبادة جماعية؟ سيفتح ذلك الباب أمام أقوام عدة لمطالبات مماثلة ارتكبت ضدهم انتهاكات أيام الإمبراطورية العثمانية، مثل الآشور والكلدان واليونان والأكراد وغيرهم، وتأسيسًا على هذا الاعتراف ستكون هناك مطالبات بالأراضي داخل تركيا باعتبارها «أرض الأجداد» التي أخذها الأتراك عبر الإبادة الجماعية.

في سوريا، تذكر النظام أن ما حدث قبل مئة عام هو إبادة جماعية، فغير اسم ساحة باب توما إلى ساحة الإبادة الأرمنية، وبعيدًا عن تعاطي الأسد السخيف فإن القضية تظهر إلى حد ما المجتع السوري «الرخو»، فنستطيع إجمال مواقف السوريين بشيء قليل من التعميم بأن العلمانيين «مؤيدين ومعارضين للأسد» يميلون إلى اعتبار ما حدث إبادة جماعية، في حين يميل الإسلاميون المؤيدون للثورة إلى إنكار المجازر من الأساس.

بتقسيم آخر يتقاطع مع التقسيم السابق إلى حد بعيد، نجد أن العرب السنة يميلون إلى الرواية التركية الرسمية، في حين أن الأقليات الدينية والعرقية تميل إلى رواية أرمينيا.

وبكل تأكيد فإنه لو افترضنا أن تركيا غيرت موقفها من الثورة السورية إلى تأييد الأسد، فإن المواقف السابقة ستنتقل إلى الجهة المقابلة إلى حد كبير.

لا أحد يهتم إذن بمعرفة ما حدث، ولا أحد يقدم تعاطفًا إنسانيًا بلا شروط، وإن كان من المفهوم أن تخضع القضية لهذا المستوى من التسييس على صعيد الدول حيث يعمل الجميع وفقًا للمبدأ الميكافيلي البائس، فإنه من الخطير فعلًا أن تضيع البوصلة عند السوريين فيتم التعامل مع قضية إنسانية بتسييس شديد.

لا يحتاج التعاطف الإنساني إلى شروط، ولا يعني التعاطف مع المأساة الأرمنية تحميل الأتراك ما فعل أجدادهم، ولا يعني طبعًا التنكر لما فعله الأتراك اليوم من جميل بحق السوريين المظلومين، ولكنه يعني النظر إلى الإنسان كإنسان، بغض النظر عن دينه أو عرقه.

إن غياب النظرة الإنسانية هي التي تجعل مجموعات واسعة من السوريين تفرح لمقتل أطفال ونساء أحيانًا إذا كانوا من «الآخرين»، وغيابها بالتأكيد سبب فشل السوريين في صناعة هوية جامعة تضمهم جميعًا.

تابعنا على تويتر


Top